
بقلم أحمد الحمروني
بدأت الصيام في التعليم الابتدائي والصلاة في التعليم الثانوي وما كنت أحسب أنّي إذا بلغت السبعين سأضطرّ بحكم العمر والصحّة واستجابة لأمر الطبيب إلى إفطار ليس لي منه أكثر من الدواء والماء. هكذا تحوّل رمضان عندي من شهر ممتع بالعبادة التامّة وبرضى الضمير إلى شهر مرير بالتقصير المفروض، والله هو الرؤوف الغفور والكريم الرحيم.
وأقدّر أنّ أمثالي في الحالة الصحّية يشاطرونني هذا الإحساس كلّ يوم وكلّ ساعة، وبالأخصّ عند أذان المغرب إذ يتضاعف الشعور بالألم وتزول الرغبة في الطعام ويحلّ الأسف محلّ الفرح الذي كان يشمل العائلة إذا اجتمعت، كبارا وصغارا، حول مائدة الإفطار، بما عليها من الخيرات والبركات. فكيف يكون الحال والشعور يوم العيد؟
لا شيء يعوّض الصوم ويرفع الطاقة النفسيّة ويريح الضمير حتّى ولو كان فدية إطعام مسكين كما هو الحكم الشرعي بالنسبة إلى الذين يطيقونه، في إشارة إلى الآية 184 من سورة البقرة.
والناظر المدقّق فيها وفـيما قبلها وما بعدها، حسب دلالة العبارة الصريحة لا حسب تأويل المفسّرين والفقهاء، يكتشف أنّ هؤلاء لم يفهموا الآية ولم يقدّروا روح الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دين يسر وتسامح.
فالذين يطيقونه هم القادرون عليه، وهؤلاء سُمح لهم بالفدية إن شاؤوا تعويض الصوم بها باعتبارها لبنة في البناء الاجتماعي المؤسّس على التكافل والتراحم.
وذلك هو الطريق المباشر إلى الهدف النبيل من الصوم، دون الحاجة إلى تجربة الجوع والعطش المحرّكين لضمير الغنيّ عسى أن يحنّ ويعطف على الفقير ويساعد البائس المسكين، سواء من باب الواجب أو بعنوان الفضل.
وسبحان الله أن يعذّب عباده بمنع الطعام والشراب طوال اليوم وطيلة الشهر لمجرّد العبادة دون تلك الفائدة العامّة.
وأين نحن اليوم من كلّ هذا؟
إن هو إلاّ شهر الإشهار والغشّ والاحتكار وارتفاع الأسعار والتبذير والتكاسل والتلاسن والمسلسلات السخيفة والعنيفة، لا شهر الرحمة والمغفرة الذي أنزل فيه القرآن هدى ونورا كما يجب أن يكون حتّى قال معروف الرصافي:
ألا قُل للصائمين أداءَ فرض * ما هكذا فرضُ الصيامِ
والناظر العاقل في تلك الآيات إنّما يجد معنى النصح لا معنى الوجوب، ويجد معنى الترغيب لا معنى الترهيب، ويجد معنى الثواب لا معنى العقاب. وفي الأثر أنّ كلّ فعل ابن آدم له إلاّ الصوم، فهو لله، والله يجزي به.
ومعناه أنّه لا يعاقب عليه. فمن صام نال الأجر الموعود ككلّ من تطوّع خيرا. ومن لم يصم فلا أجر له، ولكن لا عذاب أيضا.
ولو شاء تعالى لأوضح الأمر بأفعال مثل “وجب” و”حُرّم” الأقوى في الأحكام من الأفعال التي استعملها أي “كُتب” و”تطوّع” بزيادة قوله تعالى: “وأن تصوموا خير لكم” بمعنى التخيير، و”يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” بمعنى التيسير. وأين هذه المعاني السامية من أقوال المفسّرين والفقهاء المبالغة في التشديد والتعسير إلى حدّ التخويف والتنفير.
فلا لوم عندئذ على بعض شبابنا إن هربوا من الإسلام إلى المسيحيّة أو هجروا الدين، أيّ دين، بالجملة.
أليس من الضروريّ مراجعة كلّ شيء؟ أقصد مراجعة القرآن الذي لم نقرأه بعد كما يجب أن تكون القراءة العاقلة.
وأقصد مراجعة السلوك، وبالأخصّ في مستوى المعاملات بين المنتج والمستهلك، وكذلك مراجعة البرمجة الرمضانيّة في الإذاعات والتلفزات والفضاءات الثقافيّة.
ولا ننسى تطوير الخطاب الديني في مستوى الأيمّة، وحتّى ابتداء من التعليم.
وليس سهلا أن نكون حقيقين بهذه المفخرة: ” كنتم خير أمّة أُخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” (آل عمران:110).
اللّهمّ اهدنا وأعنّا ولا تفضحنا بين الأمم.
