
قولنا: “الإنسان حيوان ضاحك” و”الإنسان حيوان عاقل” دليل على علاقة الضحك بالعقل بما أنّ الضحك المتبادل بين الباثّ والمتقبّل علامة فطنة وذكاء وحضور بديهة وسرعة جواب. يتبعه قولنا: “حديثك مع من لا يفهمك ينقص من الأعمار” والمعنى أنّ “حديثك مع من يفهمك يطيل الأعمار”. هكذا نعبّر بدارجتنا الذكيّة.
والآن وقد تيقّنت أنّ من أفضال الله الكريم عليّ روح المرح التي تفيض إ ضحاكا، والإضحاك هو أصعب الفنون، صار من حقّي الاستثمار في هذه الموهبة النادرة، وكفى ما أسلفت مجّانا. قرّرت أن أتّخذ كُنّاشا، نسمّيه في الدارجة زماما، لتوظيف دينار على كلّ من يثير فيه كلامي ضحكة، فإذا اجتمعت منها ثلاثة حوّلتها إلى قهوة لأنّي لا أسمح ليدي النظيفة بقبض ملّيم من “وسخ الدار الدنيا”. أمّا القهوة فقد أحلّها مفتي الديار التونسيّة منذ قرن مضى بعد أن كانت من أسماء الخمر المحرّمة. والبداية بأقرب الأصدقاء الذين يتفهّمون الموقف ويقبلون العرض، وفي طليعتهم أعضاء جمعيّة ثقافيّة باسم “نادي مصطفى الفارسي للإبداع” باعتبارهم عائلتي خارج داري. وفي ذلك خير لهم كثير بدل إضاعة الوقت والمال في نوادي الضحك الاصطناعي أو المتصنّع أو المتكلّف الذي لا ينفع الأبدان ولا يحمي النفوس من توتّر حياتنا الضنكى بما فيها من العراقيل والانتكاسات والتكاليف اقتداء بالنوادي الأوروبيّة المقصودة للقهقهة الجماعيّة الاصطناعيّة المأجورة.
وعندما قصدت مكتبة ورّاقة لشراء كنّش مقسّم إلى أعمدة للتاريخ والاسم والضحكة والقهوة للواقعين في الشراك فوجئت بأنّ هذا النوع من المطبوعات سحب من السوق إثر إقرار الزيادة الأخيرة الفاحشة في القهوة، بعد سوابقها المنكورة، لأنّها صارت مع الضحكة ضرّتين لا تلتقيان، فلا ضحكة مع القهوة ولو في المقهى.
أرجو ألاّ يؤخذ كلامي على محمل الجدّ، فإنّه كلّه هزل، وليس فيه قرار ولا جواب. فالضحك بالمجّان. ويكفيني من أصحابي التجاوب في كنف ما تقتضيه المجالس من الإمتاع والمؤانسة.
أقول هذا متأسّفا على ما فعلته وسائط التواصل الاجتماعي بنا كداء التوحّد إذ صار كلّ فرد منعزلا في بيته مع حاسوبه بعد أن كانت العائلة مجموعة متحاورة. أتأسّف على هذا كما أتأسّف على اضمحلال الشعر الهزلي والأغنية الفكاهيّة والمسرحيّة المضحكة والصحيفة الهزليّة ممّا كان رائجا وموظّفا.
لكأنّها القطيعة العقيمة مع أدبنا الذي كان عبر العصور زاخرا بالهزل مع الجدّ ترويحا عن النفوس وشحذا للعقول. أستحضر في هذا السياق “بخلاء” الجاحظ و”مقامات” الهمذاني و”حديث عيسى بن هشام” للمويلحي وأزجال علي الدوعاجي وحسين الجزيري وبيرم التونسي، ولم أنسَ الذين لم أذكرهم، كما أستحضر مسلسلات “الحاج كلوف” و”شوف لي حلّ” و”نسيبتي العزيزة” وبعض عروض الأمين النهدي من نوع فرجة الممثّل الواحد (One man show). وللعلم فقد خصصت صالح الخميسي رائد الفكاهة أو الأغنية الفكاهيّة في تونس بكتاب، لا لإحياء ذكراه فقط بل للدعوة، وإن بطريقة غير مباشرة، إلى إحلال الأغنية الفكاهيّة والفكاهة عموما المنزلة التي تستحقّها بالضرورة لأجل مجتمع سليم. وبالأمس فقط، الأحد 13 أكتوبر 2024 فقدنا محمد المورالي الذي كنّا نستمع إلى أغانيه مع غيره من الفكاهيين صبيحة كلّ أحد ونستمتع بدوره مع زملائه في مسرحيّة “الماريشال” الخالدة.
أولئك يُضحكون ولا يَضحكون أسوة بحسين الجزيري الذي يفجّر جلسة جماعة تحت السور بأشهر مقاهي باب سويقة بتونس، “يفجّرها ضحكا بوجه عبوس قمطرير” كما وصفه الجيلاني بن الحاج يحيى مؤلّف سلسلة من الكتب الهزليّة بالتوازي مع قواميس اللغة العربيّة وتحقيق الكتب التاريخيّة. أمّا “الجراد المنتشر” فإنّهم يَضحكون ولا يُضحكون، فإذا ضحكتُ فإنّما ضحكتُ لسخافاتهم وعلى بلاداتهم. وأوّل ما يجب عليهم العلم به هو أنّ الإضحاك موهبة وفنّ وليس سلعة تباع وتشترى في سوق من هبّ ودبّ، والمقصود تلك المهرجانات.
