
هكذا استقرّ رأيي على عنوان لا يخطر ببال أحد، وإنّه لجدير وحده بحقوق تأليف محفوظة، وحقيق بمنحة وحده لو قرّرت إضرابا بثلاثة أيّام عن الكتابة دون سابق إنذار وطالبت بزيادة في منحة المقدّمة ومنحة الخاتمة ومنحة بلاغة التّعبير بأساليب البديع والبيان والمعاني، زيادة على منحة الورق ومنحة القلم ومنحة القهوة التي أحتسيها مع الكتابة. وقائمة كهذه من المطالب المجحفة أرفعها عن طريق اتّحاد الكتّاب إلى اتّحاد الشغل فيدعمها بالتأكيد مضافة إلى المطالب والإضرابات في قطاعات النقل والصحّة والتّعليم. فمن حقّ المعلّم والأستاذ منحة غبرة الطّباشير والميدعة واللّمجة، ومنحة توتير الأعصاب وخطر هجمة الأولياء.
أليس الإضراب حقّا نقابيّا مكفولا بالدّستور؟ وأنا خير من غيري بما أنّي أكتب وأطالب، أمّا غيري فلا يعمل ويطالب بالزّيادة في منحة الكسوة وقصاصات الأكلة، منهم خمسمائة في النّقل العمومي حسب تحقيق البرنامج الاستقصائي “بلا قناع”، والعهدة على محمّد البوزيدي.
ومنهم عدد كبير ممّن رأيتهم بعيني في مقاهي قفصة على حساب شركة الغراسات الذين لو غرس كلّ منهم نخلة واحدة في اليوم لتوقّف التصحّر والتحق الجنوب بتونس الخضراء.
والعنوان أعلاه كالقضيّة التي تقبل شكلا وترفض مضموما بما أنّه لا نقاش في كونه عنوانا، إنّما الجدال في معناه المتعدّد كآيات الذكر. فمن قارئ يقول إنّه كالقول المشهور “كلّ الطّرق تؤدّي إلى رومة، أو إلى مدريد، أو إلى مجاز الباب” على معنى الشمول . ومن قارئ آخر يقول إنّه كالإشارة إلى الإضرابات المسيّسة الهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار وإرباك الحكومة وتعجيز الدولة ضمن برنامج الفوضى الهدّامة لأنّ الرئيس -حفظه الله من التسميم والاغتيال- يقاوم الفساد ويحاسب الفاسدين حتّى من الأمنيين والسياسيين ويدافع عن الشّعب وضعاف الحال ولا يخضع للتّطبيع ولا لشروط البنك العالمي. وغيرهما قارئ يقول كأنّه عنوان كاشف عن خلفيّة تخابر جبهة من باعوا ضمائرهم مع سفارات فرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج أو هو عنوان متواصل مع الإرهابيين والمهرّبين الذين تضرّرت مصالحهم فخطّطو لانقلاب ناعم عن طريق الاحتكار والتّرفيع في الأسعار وتثوير الأحياء الشّعبيّة لأجل موعد شبيه بالرابع عشر من جانفي 2011.
وهذه العناوين كلّها، المعلنة أو المخفيّة، تحظى بموافقة المضربين من الشغّالين والعاطلين دون تقدير الظّروف والتّحدّيات بعد عشريّة الفساد ودون اعتبار جهود الحكومة والرئاسة على درب الإصلاح والتنمية. وما هما بالأمر الهيّن، إنّما الهيّن تعطيل دواليب الدّولة والمشاريع الكبيرة المبشّرة بخير عميم على قدر قروضها وتضحيّات المجموعة الوطنيّة لأجلها.
لكنّ خسائر كلّ يوم إضراب تسقط المشاريع والآمال في الماء وتحبط عزائم المسؤولين الغيورين على الوطن المخلصين للمواطن، وتفتح الأبواب لجشع الطّامعين في مقدّرات تونس من الخارج كما من الدّاخل. وليت الضمائر تستيقظ لإنقاذ البلاد من السقوط في استعمار جديد بوعي وطنيّ وبذل المزيد وصبر عتيد.
والله قدّر لهذه الأرض أن يعمرها الإنسان فساوى بين الفساد والقتل كما بين الإصلاح والإحياء بالآية 32 من سورة المائدة الموجّهة إلى بني إسرائيل. وأعظم بإعمار الأرض أمانة استخلافا لله فيها حسب الآية 72 من سورة الأحزاب !
من أجل هذه العناوين كلّها، ما ظهر منها وما بطن ، وجبت مراجعة الدّستور في الفصل المتعلّق بحقّ الإضراب وأشباهه من الفصول المتعلّقة بحقوق الإنسان وحقّ التّعبير لتكريس مبدإ “الوطن أوّلا”. وذلك يكون بتقييد المطلق في الظروف الاستثنائيّة وحفاظا على حقّ غير المضرب في العمل ومصالح المواطنين الّتي منها الالتزامات والمواعيد والضرورات والطوارئ. الواجب المقدّس يقتضي مناّ العمل ليلا نهارا. وإن شاء الله نخرج من الأزمة مع العالمين “فإنّ مع العسر يسرا”.
