
لو خُيّرتُ بين حياة في بلد متواضع في مبانيه وبنيته التحتيّة ومتمتّع بالحرّية وبين بلد باهر بصورته العامّة العمرانيّة ومفتقر إلى الحرّية لفضّلت الأوّل على الثاني. وذلك لسببين، الأوّل أنّ المظهر العامّ يمكن تحسينه، والثاني أنّ الحرّية غير مضمونة في مظهر خادع. ومعناه الحاصل من المقارنة أنّ الحرّية قبل المظهر، وقبل الخبز في تقدير الكرام. فلأجلها ضحّى الشهداء وناضل المعارضون الصادقون. وما قامت الثورات إلاّ لأجلها، فهي الشرط والأساس، والباقي آت شيئا فشيئا بالتفاني والصبر والأمل والإخلاص.
ولكم فرحتُ وحزنتُ على هامش كأس أمم إفريقيا بالمغرب بين ديسمبر 2025 وجانفي 2026. ولا علاقة لشعوري بالنتائج، فهذه لا تعنيني كثيرا، خاصّة بعد انسحاب فريقنا الوطني بأعجب ما رأينا، كما شاءت الأقدار. وإنمّا شعوري المتناقض، كما يبدو في الظاهر، متعلّق بتصريحات التونسيّين المنبهرين بصورة البلد الشقيق في جانب، وبتشكّي إخواننا المحكوم على مدينتهم العتيقة بالدار البيضاء بالهدم لأجل المستثمرين العقّاريين في مشروع المحجّ الملكي، على الصورة المشهودة أو المبرمجة في عواصم المملكة.
أهل مكّة أدرى بشعابها، كما هو القول المأثور، ولا دخل لي في شأن غيري السياسي والاجتماعي، وإنّما حقّي محدّد بالبعد الإنساني الجامع بين الناس والمتجاوز للحدود والفوارق. وفي ظلّ ذلك الحقّ فرحتُ وحزنتُ. فرحتُ بإنجازات، لا ينكرها إلاّ جاحد بغيض، غيّرت وجه المدن المغربيّة فبدت كالعرائس الرافلة في أبهى الحلل بالطرقات الفسيحة والأنفاق المضاءة والمحوّلات السريعة والحدائق النظيفة والبنايات الأنيقة والمحطّات والمطارات والملاعب. وحزنتُ لظروف المعذّبين في الأحياء الفقيرة حتّى أجبروا على إخلاء مساكنهم القديمة قدم أعمارهم، فإذا هم أمام الأمر الواقع ينظرون بعيون دامعة ويصوّرون بالهواتف الإلكترونيّة مشاهد إعدام ذاكرتهم بالجرّافات العملاقة وهي تأكل الجدران وتسقط السقوف بنهم الوحش المفترس دون أن يصمد أمام أسنان الفولاذ شيء ممّا علا وتسلّح بالإسمنت والحديد. والفيديوهات التي تابعتها معبّرة بعناوينها وبالمتدخّلين فيها من الرجال والنساء مثيرة للشفقة، ليس على المأساة فقط متمثّلة في حالات عائلات متسوّغة محرومة من التعويض أخرجت أثاثها وأمتعتها ومفارشها إلى العراء، وأطفال مذهولين من كابوس حقيقيّ ضارّ بنفسيّتهم ومهدّد لدراستهم، ورجال أصبحوا عاطلين بعد فقد محلاّت استرزاقهم، بل على أكثر من المأساة. هي الشفقة على الحرّية إذ لا يجرؤ أحد من أولئك الضعفاء على الاعتراض أو الانتقاد ولو بألطف الكلمات حتّى أنّ مجموعة من النساء الحائرات أمام المستقبل الغامض خشين على أنفسهنّ إذا استنكرن الوضع المفروض أو عبّرن عن الحيرة والأسف أو طالبن بحلّ أو اقترحن مخرجا أن يتستّرن من شبهة الاعتراض على القانون والتّهجّم على السلطة باثنتين منهنّ وراءهنّ، واحدة ترفع صورة الملك والأخرى ترفع العلم، وبين الجملة والجملة لا بدّ من تكرار الدعاء: “عاش الملك، الله ينصر سيدنا”. والويل لمن شكاه أو اشتكى له بمثل: “حسبي أو حسبنا الله، ونعم الوكيل” لأنّها شكوى مثيرة للشكوك وموجبة للتحقيق ومؤدّية إلى العقاب إنفاذا لشعار “الله، الملك، الوطن”.
ذاك هو الفرق بيننا وبينهم، كما هو بين الحرّية والعبوديّة، وكما هو أيضا بين الواجهة البرّاقة والقافية البائسة. فما أسعدني في بلدي وبه رغم الظروف التي ستتحسّن يوما فيوما، دون شكّ، وأنا حرّ في إطار القانون والمصلحة العامّة وفي كنف الوطنيّة
وممارس لحقّي في التعبير بالكتابة أو في مسيرة. وما دمت حرّا فأنا مواطن، وأنا إنسان.. وعاش الشعب المغربيّ الشقيق الذي يحبّنا ونحبّه.
