
لم يعد استعمار البلدان لأجل خيراتها بالسلاح التقليدي المتطوّر من السيف والرمح إلى الدبّابات والطائرات الموجّهة، بل صار بتدمير العقول وإبادة الثقافة بدءا بإحراق المكتبات ووصولا إلى ضرب التعليم وبالتالي القيم بما فيها الوطنيّة التي يحميها التاريخ ويضيئها التراث بمعالمه وأعلامه.
ومن قبل أحرق الرومان قرطاج ونهبوا المكتبة مثلما أحرقوا مكتبة الإسكندريّة تبعا لإحراق مراكب كليوبترا. ثمّ دمّر المغول بغداد حتّى اسودّ دجلة بحبر المخطوطات. وأحرق الموحّدون مؤلّفات ابن رشد الحفيد أمام أنظار العامّة مقاومةً للعقل والفلسفة في قرطبة بالأندلس. ثمّ عبث الإسبان بخزائن جامع الزيتونة في تونس عام 1535. وكذلك فعل اليابانيّون في الصين عام 1937. ومثل ذلك فعل الصينيّون في التِّبَتْ بدافع إيديولوجي مثلما فعلت ألمانيا النازيّة عام 1940 بستّة ملايين كتاب في منطقة بلندن معروفة ببيع الكتب بالجملة. ثمّ قصف الصرب في ثمانينات القرن الماضي مكتبة زادار الحافظة لآلاف النفائس المخطوطة والمطبوعة من الكتب والمجلاّت والصور والخرائط، وكذلك فعلوا عام 1922 في المعهد الشرقي بسراييفو، وكلّ ذلك لمحق الثقافة بل لطمس الهويّة البوسنيّة. ومثل ذلك حاوله الاجتياح العراقيّ للكويت عامي 1990 و1991، والعدوان الأمريكي على بغداد والمكتبة والمتحف في تلك الظروف. وتفاصيل الأحداث والأسباب في كتاب ريبيكا نوث “إبادة الكتب/ تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسيّة في القرن العشرين” (تعريب عاطف سیّد عثمان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، جوان 2018، في 369 صفحة).
وفي تونس، بلد الثلاثة آلاف سنة حضارة، لم تُحرق الكتب ولكنّ سلطة الحزب الواحد في العهدين السابقين صادرت عديد الإصدارات لمجرّد ملاحظة شخص مكلّف بالرقابة ومنسّق بين وزارتي الثقافة والداخليّة. وكنت شخصيّا أحد المتضرّرين، فلم يرفع الحكم الجائر والمتسرّع عن كتابي إلاّ بعد إثارته في اجتماع عام بباجة بإشراف السيّد عبد العزيز بن ضياء الأمين العامّ للتجمع الدستوري الديمقراطي في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. لم يعجب العنوان ذلك الشخص التافه عندما يكون الشيخ إبراهيم الرياحي موصوفا بعَلَم “الزيتونة” وهو”الآفاقيّ” في مواجهة العائلات “البلديّة” المتوارثة للسلطة الدينيّة والعلميّة انطلاقا من قلعة الجامع الأعظم، ومهما كانت ثقافة الأحفاد مقارنة بثقافة الأجداد. وكذلك تفعل الأنظمة بالمثقّف والمواطن في حقّ مشروع نسمّيه حرّية التفكير والتعبير في لغة الدستور إذا انحرفت إلى الاستبداد أمام تراجع ثقة الشعب فيها وخشيت السقوط.
وإذ أكتب هذا في جانفي، شهر الإضرابات والاضطرابات، فلأنّي معتزّ ومتخوّف في نفس الوقت إزاء ذلك الحقِّ كأهمّ مكسب لثورة الحرّية والكرامة المتوّجة بسقوط النظام، وبقاء الدولة وتواصل الإدارة، في الرابع عشر من ذلك الشهر عام 2011. ولكنّ المشاعر وحدها لا تكفي ولا تحمي ولا تحقّق هدفا. الاعتزاز والتخوّف ينبغي أن يدفعا إلى العمل بكفاءة ويحفّزا على الاتّحاد على المصلحة وعلى التصدّي للفساد وعلى الإصلاح الجذري. وما أكثر المؤسّسات التي تغلغل فيها طيلة العشريّة السوداء موظّفون ومسؤولون بالانتماء، لا بالمستوى حيث الشهائد مدلّسة إن وُجدت! فكيف لا تفلس المؤسّسات العموميّة، ولا فائدة في ذكر الأسماء، إذا عُيّن على رأس الإدارة شخص لا علاقة له بالاختصاص، بل بلا أيّة خبرة أصلا؟ وأكثر الرؤساء المديرين العامّين وأعضاء مجالس الإدارات وقتيّون يعرفون أنّهم غير دائمين، والمنطق يفرض لكلّ برنامج هادف إلى التأهيل والتطوير زمنا وشروطا وكفاءة وشجاعة. وإنّما الاستثمار بالأمن والاستقرار، وليس بالفوضى والمماطلة والمحسوبيّة والرشوة وتبييض الأموال والتهريب والتهرّب الجبائي وحماية متجاوزي القانون بلا حساب ولا عقاب.
هذا ما تعانيه البلاد إلى اليوم ممّا فات التصوّر حتّى فُهمتْ كلمة على سبيل التحدّي، على لسان “نهضويّ” مفادها تعجيز من سيحكم إذا لم يتحالف مع “الذين يخافون ربّي” حتّى تجرّأتْ واحدة منهم بصوت مرفوع بقوّة التمكّن وسخرية المتحيّل ومسرحيّة المنافق: “موتوا بغيظكم”. أولئك الذين أتعبونا.
وفي هذا الشهر، الذي صرنا نؤرّخ به ونخشاه نتذكّر ما قالوا، ولا ننسى ما فعلوا بالشعب في الغذاء والدواء والتعليم والنقل والفسفاط وفي البرلمان، ونستعدّ لما يخطّطون في الداخل والخارج. “ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين” (الأنفال: 30).
