أكدت منظمة “آلرت”، تعليقًا على ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في تونس مؤخرًا، وحديث الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال زيارته الأخيرة لشركة اللحوم عن “فساد ومؤامرة كبرى”، أن “أسعار اللحوم الحمراء تعكس منظومة ريعية، وليست “مؤامرة “تُحاك”، وفقها.
وقالت منظمة آلرت (ALERT) في بيان لها، إنه “في كل مرة تحلّق فيها أسعار اللحوم، يُساق إلينا نفس السيناريو “مؤامرة”، و”قوى خفية”، و”خونة” يتآمرون على الدولة”، وأكدت المنظمة إنها “ترفض هذه السردية.
ليس إنكارًا لوجود تجاوزات أو مضاربة أو فساد في البلاد، بل لأن أزمة غلاء الأسعار تُفسَّر أساسًا بأسباب هيكلية، واقتصادية، ومؤسساتية”.
وبينت أنه بالاستناد إلى التشخيص المرجعي لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE – 2019) حول قطاع اللحوم الحمراء في تونس، ومقارنته بالواقع الميداني اليوم، يتضح جليًا أين يتمركز “الريع”، ولماذا يدفع المواطن الثمن”.
وقالت المنظمة -الناشطة في مجال مكافحة الاقتصاد الريعي والتنديد بالانتهاكات المنجرة عنه كما تعرّف نفسها- أولًا إن “ثمن اللحوم لا يرتفع “صدفة”، وهو ينتج عن سلسلة إنتاج تراكم التكاليف والهوامش الربحية، مضيفة أن “السعر النهائي لا يُحدَّد فجأة عند الجزار.
إنه يُبنى عبر سلسلة طويلة من التربية، وبيع الماشية، والذبح، والبيع بالجملة، ثم التفصيل.
وعندما تكون هذه السلسلة طويلة، وغامضة، وسيئة التنظيم، تتراكم الهوامش الربحية، وتنعدم شفافية المعلومات، ليحتكر بعض الفاعلين “الريع”، والنتيجة هي أن يدفع المستهلك فاتورة باهظة في غياب تام للشفافية والتتبع والمسؤولية”.
وبينت في مستوى ثان أن “أسواق الماشية والوسطاء تتسم بغموض المنبع وهو ما يرسّخ الريع”، وقالت إن جزءً كبيرًا من المشكلة يبدأ قبل بلوغ المسلخ.
فعندما يكون المنبع أي أسواق الماشية غير منظم، وتحتكر قلة من الفاعلين المعلومة حول الأسعار والكميات والجودة، يختل ميزان القوى على حساب المربي، لينعكس لاحقًا على المستهلك.
تتعدد أيدي الوسطاء، وتتوالى الصفقات، وتتراكم الأرباح. كلما زاد الغموض، زادت ربحية المنظومة لمن “يمسكون بخيوط المسالك””، وفقها.
كما تحدثت المنظمة عن المسالخ واللزمات، وأكدت أن “مرحلة الذبح تُعدّ مفصلية (جودة صحية، لوجستيك، وتكاليف).
لكن، عندما تمنع شروط الدخول أو الاستغلال ظهور مسالخ حديثة وفعّالة، تُقتل المنافسة وتُعطّل مكاسب الإنتاجية.
والأخطر من ذلك، عندما تعمل بعض المسالخ البلدية بنظام “اللزمات” دون التزامات استثمارية جدية، أو عندما يُتغاضى عن استخلاص الأداءات والرسوم، تصبح المنافسة “مغشوشة””.
وأضافت أن “مَن يحترم القانون ترتفع تكلفته بشكل مصطنع، ومَن يتحايل يكتسب أفضلية في السعر وهامش الربح. وهذا ليس “مؤامرة”، بل هندسة مؤسساتية تصنع الامتيازات”.
أما عن المعايير الصحية والقطاع الموازي، فقد اعتبرت المنظمة أن “المستهلك يدفع الثمن مرتين، إذ إن التطبيق الانتقائي للمعايير الصحية يخلق سوقًا بسرعتين: فاعلون منظمون يتحملون التكاليف، وفاعلون موازون يخفضون تكاليفهم بالتهرب”، وهو ما يحيل إلى “توسّع للقطاع الموازي على حساب الاستثمار والتحديث”.
ولفتت إلى خسارة مضاعفة للمستهلك الذي “يدفع سعرًا مرتفعًا بسبب منظومة غير فعالة ومأزومة، ويتعرض لمخاطر صحية مع تمدد القطاع الموازي”.
وبخصوص وضعية شركة اللحوم، قالت المنظمة إن “تهميش الفاعل المُعدّل يترك السوق فريسة للريع”، واعتبرت أن “وجود فاعل عمومي قد يعمل كأداة لاستقرار السوق. بشرط ألا يكون مكبلاً في منظومة يكسب فيها الآخرون لكونهم يتجاوزون القانون”.
وأضافت “اليوم، حتى عندما تعلن شركة “اللحوم” عن أسعار مرجعية (42.9 دينار/كغ)، يبقى تأثيرها محدودًا جدًا بسبب ضعف قدرتها التوزيعية، وبقاء الكميات والمسالك الكبرى أسيرة للمنطق الريعي والتشوهات”.
ولفتت المنظمة إلى عامل هيكلي مخفي وهو الانهيار المروّع لقطيع الأبقار، وقلت إنه “لا يمكن التظاهر بالتفاجؤ من أزمة اللحوم بينما العرض ينهار منذ سنوات.
إذ تُظهر الأرقام الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء تراجعًا حادًا في إجمالي قطيع الأبقار:
من 685.8 ألف رأس سنة 2016 إلى 388.0 ألف رأس سنة 2022.
عندما ينخفض العرض الهيكلي إلى هذا الحد، تصبح السوق هشة ميكانيكيًا؛ وأي صدمة (مناخ، أمراض، كلفة الأعلاف، ذروة استهلاك) ستؤدي حتمًا إلى التهاب الأسعار والانتهازية”.
أما عن منظومة الألبان التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة اللحوم الحمراء، فقد وصفتها منظمة آلرت بالقطاع “المنكوب”، معتبرة أن “اللحوم تدفع الفاتورة”.
وبينت أنه “عندما يُباع الحليب بسعر لا يغطي تكلفة الإنتاج، يضطر المربي لتقليص قطيعه، أو التفويت فيه، أو التوقف عن الاستثمار.
في بلد يرتبط فيه جزء كبير من لحوم الأبقار بقطيع الحليب، فإن ضرب منظومة الألبان يعني تدمير منبع إنتاج اللحوم. هذه ليست شعارات، بل حتمية اقتصادية”.
وأضافت المنظمة أن “المنظومة تعرضت هذا العام لصدمة إضافية، فالأمراض الحيوانية تسببت في تراجع الإنتاجية، خاصة مع تسجيل بؤر لمرض الحمى القلاعية”، معتبرة أن “المشكلة ليست في الإعلان عن حملات تلقيح لموسم 2026، بل في التغطية الفعلية، وسرعة التدخل، والصرامة الصحية الميدانية.
فعندما ينتشر المرض، تتزايد الخسائر، تتراجع الإنتاجية، ترتفع التكاليف، ويتقلص العرض، مما يجعل السوق أكثر عرضة للارتفاع”.
وقالت آلرت إنه “بعيدًا عن الخطابات الشعبوية، لنتذكر البديهيات: السعر يخضع للعرض والطلب.
في الأشهر الأخيرة، تضرر قطاع الأسماك إثر العاصفة المتوسطية “هاري” التي دمرت أقفاص الاستزراع السمكي، مما أدى إلى وفرة مؤقتة في الأسماك وانخفاض أسعارها.
اتجهت العائلات لتعويض اللحوم بالأسماك، مما خلق ضغطًا أدى إلى تراجع ظرفي في أسعار اللحوم.
لكن مع اقتراب شهر رمضان ونفاذ عرض الأسماك وعودة أسعارها للارتفاع، ينعكس المؤشر، ويعود المستهلك بقوة إلى اللحوم. فالعامل الظرفي موجود نعم، لكنه لا يفسر كل شيء، بل هو مجرد مضخم لأزمة هيكلية أعمق”، وفقها.
وبخصوص التوجه الذي تمضي فيه السلطات منذ سنوات للاستيراد للتعديل، اعتبرت المنظمة أنه “مُسكّن يتحول إلى “إغراق” يدمّر المنتج المحلي”.
نرفض هذه السردية.
ليس إنكارًا لوجود تجاوزات أو فساد في البلاد، بل لأن أزمة غلاء الأسعار تُفسَّر أساسًا بأسباب هيكلية، واقتصادية
وقالت في بيانها إنه “لمواجهة غلاء الأسعار، تلجأ الدولة للاستيراد لتهدئة السوق (لحوم أبقار بـ 37.900 د/كغ، ولحوم ضأن بـ 38.900 د/كغ).
والمشكلة تكمن في الاستراتيجية، إذا أصبح الاستيراد رد فعل دائم دون حماية للمنبع المحلي، فإننا نخلق حالة من “الإغراق”.
فالمنتج التونسي لا يمكنه منافسة سعر مستورد “مكسور” بسبب دعم في دول المنشأ أو ظروف خارجية”.
واعتبرت أن النتيجة تكون “بيع المربي بخسارة، مما يخلّف تقلص قطيعه، أو تهريب دوابه نحو الجزائر.
فالاستيراد دون إنقاذ المنبع هو شراء لسلم اجتماعي لأسابيع، بثمن تبعية غذائية دائمة”.
وبينت أن “المربين يعانون من إقصاء مالي، وغياب التأطير، وضعف التمويل البنكي لدورة الاستغلال، والنتيجة هي ارتهانهم لـ “قروض المزودين””، مضيفة أنه “عندما يشتري المربي بالآجل، يفقد حريته ويُجبر على البيع بسرعة، في الوقت الخطأ، وبسعر مفروض، وغالبًا لوسطاء “متحالفين” مع مسالك التزويد. هكذا يُصنع الريع. سعر بيع متدنٍ للمزارع يقابله سعر شراء مشط للمستهلك”.
وقالت المنظمة إنه “يجب التوقف عن اختزال الأزمة في “رقم” على سبورة الجزار. فالمأساة الحقيقية هي التآكل المستمر للمقدرة الشرائية للتونسي”.
ولفتت إلى أن بيانات المعهد الوطني للإحصاء لشهر جانفي 2026 تؤكد أن التضخم العام استقر عند 4.8%، في حين ظل تضخم “مجموعة التغذية والمشروبات” مرتفعًا في حدود 5.9%.
بعبارة أخرى: كلفة “الأكل” مستمرة في إرهاق الميزانيات. السؤال ليس فقط “لماذا اللحوم باهظة؟”، بل “لماذا تنهار المداخيل؟”.
وبينت أن “التفكيك الحقيقي هو أن السعر المرتفع يعد ثمرة “الريع” وليس “لغزًا””، مشيرة إلى أن “سعر اللحوم اليوم هو النتيجة الحتمية لسلسلة إنتاج غامضة يحتكر فيها الوسطاء القيمة، ومنافسة مشوهة بالقطاع الموازي، وانهيار مفزع لقطيع الأبقار، وضرب منظومة الألبان، وصدمات صحية تضرب الإنتاجية، وسياسة استيراد ترقيعية تضحي بالمنتج المحلي”.
وأضافت أنه “لا يمكن إطعام شعب مُفْقَر بمنظومة منهكة ومربّين منسيين.
ففي النهاية، الريع يأكل الجميع: المُنتِج، المُستهلِك، والدولة. بلد يتخلى عن مربيه ينتهي به الأمر باستيراد لحومه وتصدير كرامته. الخيار لنا: إما الإصلاح أو الريع”.
وشددت على أنه “إذا كانت الغاية حقًا حماية المواطن، فالحل ليس في إلقاء الخطابات التخوينية، بل في الإصلاح عبر كسر الريع، وفرض الشفافية في المنبع، وحماية الصحة الحيوانية، ودعم الإنتاج المحلي عوض التضحية به عند كل أزمة”.
الترا تونس
