
(بالرجوع إلى أرشيفنا الشخصي، نقوم بتحديث هذه التأملات التي كتبناها عام 2005 والتي لم يتسنَّ نشرها في الوقت المناسب لأسباب غامضة. ورغما عن ذلك، يبدو لنا أن العلل المذكورة في هذه المقالة لا تزال إلى اليوم تُقوِّض نسيج الثقافة، مُؤثرةً في جميع القطاعات ذات الصلة بدرجات متفاوتة.)
من السامي إلى السخيف، خطوة واحدة فقط.
(نابليون)
بينما تُنفق الدولة بسخاء على الفنون (1% من الميزانية العامة عام 2004، وهي نسبة تُقارب النسبة المُسجلة في فرنسا)، فإن العديد من المؤسسات الثقافية تُعاني من الوهن، فبعضها فرقٌ وهميةٌ باتت عروضها المتقطعة نادرةً على نحوٍ متزايد، في حين أن البعض الآخر يحتكر الأنشطة الرسمية رغم تراجع جودتها المستمر.
من الواضح إذن أن الثقافة الوطنية تمر بفترة متعثرة ويتجلى ذلك في ندرة الإبداعات الجديدة وفي البرمجة البدائية والتكوين المُتقادم، على الرغم من وجود بعض الإنجازات اللافتة.
لا ندّعي امتلاك وصفة سحرية من شأنها أن تغيّر الوضع في لمح البصر، بل نسعى إلى تقديم تأمّل في مسائل جوهرية ظلت غامضة، على أمل مداواة الجراح التي تنخر حياتنا الثقافية. هذه الجراح ليست قدرا محتّما بل هي نتاج أفعال بشرية، بعضها مقصود، نتيجة تراكم الأخطاء والهفوات.
إن تفسير سلسلة العيوب الطويلة التي تتزامن -مصادفةً- مع أمراض ثقافتنا يبدو أكثر غرابة من الوضع نفسه. وأولئك الذين يفرحهم الوضع الراهن يبدو أنهم إما غافلون عن الواقع أو متساهلون، سواء عن طريق الصدفة أو عن قصد. وكما قال أحد المفكرين: التجربة هي الاسم الذي يطلقه كل شخص على أخطائه.
وسنقتصر في هذه التأملات على ذكر الأخطاء الرئيسية التي تؤثر على مختلف أشكال التعبير الفني، وذلك بهدف أن توضع خطة عاجلة للإنعاش الثقافي.
1. خلطٌ أم اندماجٌ المعاني ؟
لنتفق مبدئيًا على المعنى الذي نُعطيه لمصطلح “الثقافة”. هذه الكلمة المتعددة المعاني من أصل لاتيني تعني “الاهتمام المبذول لتطوير مجالٍ مُعين والممارسات التي يتطلبها هذا المجال”، وكذلك “مجموعة الظواهر المادية والفكرية التي تُميز جماعةً عرقية أو أمةً أو حضارةً في مقابل جماعةٍ أو أمةٍ أخرى”. كما يُفهم المصطلح أيضًا بالمعنى الشائع “مجموعة المعارف التي تُثري العقل، وتَصقل الذوق والفكر النقدي”.
أين نحن من هذه المفاهيم ؟
يجدر التذكير أولا بأن الفيلسوف الألماني للقانون الطبيعي الحديث Samuel Von Pufendorf (1632-1694) هو أول من استخدم كلمة “الثقافة” في مقابل الطبيعة وبالتالي للدلالة على “مجموع الإبداعات البشرية في السياق الاجتماعي الذي تظهر فيه”. وقد أعطى بذلك للمصطلح أبعاد الملاحظة والفعل التي نجدها في المفهوم الحديث.
وفي رسم صورة قاتمة للوضع الفكري في فرنسا حذر الكاتب والناشط السياسيRenaud Camus (1946) من النقص الفكري الملحوظ “رغم وجود بعض المثقفين”، ويرى أنه لم يعد هناك طبقة مثقّفة في فرنسا، الشيء الذي ينطبق في الوقت نفسه على إنجلترا، “فقد تم القضاء على النخبة الفكرية تمامًا”.
“انظروا ماذا يُدرَّس في الجامعات، انظروا ما يستخدمه الأساتذة كمواضيع لتدريسهم: تفاهات لا معنى لها. لقد اختفى جوهر التعليم وتم القضاء على النخبة بشكل منهجي من خلال عملية بطيئة وخبيثة.”
ومن جهتها تؤكد إحدى المحللات: “كل ما ينهار في مجتمعنا كان مُدبّراً مسبقاً” وذلك في إشارة إلى انتفاضة الطلاب الشهيرة في مايو 1968 والتي غيّرت النسيج الاجتماعي لفرنسا.
على ضوء هذا التشخيص وبالنظر إلى أحداث العقود الخمسة الماضية تبدو الأزمة، نسبياً، واسعة الانتشار وتؤثر على دُول ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
إن انتشار ثقافة شعبوية ضحلة غالباً ما تُضفي عليها وسائل الإعلام الاستهلاكية “المُتأمركة” طابعاً فلكلوريا أدّت إلى تمكين أشباه المثقفين ورعاع الممتهنين من احتكار المشهد الإعلامي والبروز من خلال الترويج المتواصل.
يُضاف إلى ذلك الآن تقنية جديدة، هي الذكاء الاصطناعي، الذي يُساعد “المُبدع المزعوم” في كل مرحلة من مراحل الإنتاج بدءاً من الفكرة وصولاً إلى تنفيذها النهائي حزمة برمجية تُولّد ملايين النماذج النمطية المُخزّنة مسبقاً في ذاكرة افتراضية، ويُعتبر استخدامها دون إسناد سرقة أدبية.
والمعلوم أن استخدام الموسيقى المسجلة مسبقًا في البث السمعي البصري لقي لسنوات عديدة معارضة نقابية عالمية نظرًا لاستبدال المنفّذين الأصليين بشريط مغناطيسي مسجل من قبل آخرين، وهو ما يُعدّ غشًا فنيًا وأخلاقيًا. واليوم، تُعارض الهيئات المهنية المختصة أي محاكاة للصوت أو الصورة.
وتجدر الإشارة إلى أن الانتحال، كما يُعرّف عالميًا، هو “الاستيلاء غير المشروع على أعمال أو أفكار أو كلمات الآخرين، وتقديمها على أنها من إبداع الشخص نفسه دون الإشارة إلى المصدر الأصلي. ويُعتبر هذا الفعل جريمة خطيرة (أكاديمية أو أخلاقية) ويشمل النسخ واللصق copy-paste وإعادة الصياغة دون توثيق واستخدام الذكاء الاصطناعي دون إسناد. وهي أفعال تقع تحت طائلة القانون ويمكن تجنّبها من خلال التوثيق الدقيق”.
لم يسلم أحد من ظاهرة التدهور أو آثار ما يُسمى بالعولمة إلا أولئك الذين لهم حصانة ثقافية مكّنتهم من مقاومة التأثيرات السلبية. وما يُطلق عليه علماء الإثنولوجيا اليوم “موسيقى العالم” أو “موسيقى الإنسانية” التي يحاكيها الكثيرون من فاقدي الموهبة قد فقد معناه العميق في التعبير الإنساني، وصار أقرب إلى غرابة تركيبته منه إلى فهم الآلية الحضارية التي أنتجته.
2. اختلال هيكلي ؟
هل تحتاج الثقافة حقًا إلى إدارة ؟ هل من الضروري وجود موظفين حكوميين مُشكَّلين وفقًا لنمط بيروقراطي متكلّس لإدارة الفنون ؟ هل يُمكن إدارة هذا المجال بشقّيه اللامادي والمادي بنفس طريقة إدارة أي نشاط بشري آخر ؟
بالتأكيد لا.
ولكن قد تدفع سياسة الدولة إلى اعتبار الثقافة عاملًا في التنمية الاجتماعية، أو قطاعًا من قطاعات النشاط الاقتصادي، أو مزيجًا من الاثنين؛ لذا، وجب النظر في الآليات المناسبة التي تعكس خيارها فيما يتعلق بطبيعة تدخلها.
بعد الاستقلال بفترة وجيزة اختارت الدولة التونسية – متأثرةً بوضوح بالنموذج الفرنسي – الاستثمار في الثقافة ودمجها في أجندتها السياسية.
فكان أن جرّبت منذ قيام الجمهورية ثلاثة مناهج اقتصادية: الاشتراكية التعاضدية، والتربّج التجاري للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وأخيرًا الليبرالية الرأسمالية المتوافقة مع واقع العولمة.
وقد خضعت الثقافة ومؤسساتها – التي كانت هشةً أصلًا – لاختبارات قاسية في سعيها للتكيّف مع هذه التغيّرات. فير أنها تبدو الآن غير فعّالة في ظل غياب إستراتيجية متماسكة،.
فهل يُلقى اللوم على المثقفين والفنانين المبدعين الذين عجزوا عن استيعاب هذه التحولات الجديدة، أم على الجهاز نفسه الذي لا يقدم بديلًا عن الوضع القائم ؟
إن النظام الذي أُرسِيَ منذ إنشاء كتابة الدولة للشؤون الثقافية (11 ديسمبر 1961) والذي كان آنذاك يعكس سياسة احتكارية تدعم هيمنة الدولة، غرق تدريجياً في آلياته الذاتية، مما أدى إلى مأزق لا يُمكن حله وتناقض واضح بين النظام المُعتمد وتقلبات الظروف. وكان من الضروري اتخاذ العديد من التدابير للانتقال من الاحتكار المطلق إلى حرية المبادرة.
فباستثناء بعض الشخصيات السياسية التي كان لها رؤية خاصة للعمل الثقافي بحكم انتمائها للطبقة المثقفة، لم يكن للوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة – بمن فيهم الأستاذ الجليل محمود المسعدي – برنامج محدد، وأهداف واضحة، وخطة تفصيلية لمشروع متماسك.
وكان بعضهم يجهل عالم الثقافة والفنون لدرجة أنهم نادراً ما دخلوا مسرحاً، أو حضروا حفلاً موسيقياً، أو زاروا معرضاً فنياً قبل أن تُعهد إليهم حقيبة الثقافة وما يمليه عليهم البروتوكول.
فقد باشر معظم هؤلاء الوزراء الشؤون اليومية كموظفين حكوميين سامين مكلفين بمهمة مؤقتة ذات طابع سياسي أكثر منه فني؛ ونتيجة لذلك، انصبّ تفكيرهم غالبًا على عموميات قابلة لتأويلات مثيرة للجدل مثل الأصالة والتفتّح والمحافظة على التراث وإعطاء الأولوية للإنتاج الوطني، دون تطوير مشروع ثقافي يتناسب مع المشروع المجتمعي الذي يدعو إليه الخطاب الرسمي.
أضف إلى ذلك أن لكل وزير نهجه الشخصي وآراؤه وقناعاته وذوقه الخاص وتأثير البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها مما أدّى إلى تشتت الثقافة في جميع الاتجاهات. من ذلك أن وزيرا سابقا خرّيج جامعة السربون قال صراحة: أنا لا أتذوّق الموسيقى السيمفونية فقد تعوّدت على الطبل والزكرة.
ويبدو أن التنظيم الداخلي للإدارة الثقافية الذي ظلّ على حاله لعقود، لم يعد ملائمًا للاحتياجات الفعلية. ويتجلى ذلك بوضوح في إدارة الموسيقى وإدارة التكوين والرسكلة اللتين أصبحتا عمليًا غير موجودتين، لا سيما بعد نقل التعليم المتخصص إلى وزارة التعليم العالي وتقليص عدد مدارس الموسيقى والرقص التابعة للثقافة إلى الحد الأدنى والتي تفتقر، بالمناسبة، إلى صفة قانونية.
وبينما تستمر الدولة في إدارة الشؤون الثقافية بشكل كامل من خلال هيئاتها البيروقراطية، المنفصلة عمومًا عن الواقع، ومن خلال مساعداتها المالية (1.5% من الميزانية العامة) تشجع الفنانين في الوقت ذاته على التنظّم صلب شركات تجارية.
إن التوفيق بين احتكار الدولة وحرية المبادرة معادلةٌ يبدو أن تحقيقها في غاية التعقيد لأن الانتقال من احتكار الدولة إلى حرية المبادرة يستلزم تغيير النظام الإداري إلى هيكل بعيد كل البعد عن الشبكة البيروقراطية المركزية.
لكن يبدو أن النظام الذي انتُهج منذ الاستقلال كان يتمثّل أساسا في “دُور الشعب” التي بُنيت في أنحاء مختلفة من البلاد ثم تم تحويلها إلى “دُور للثقافة”، وكان هذا الاختيار يستجيب إلى مفهوم معيّن لـ”اللامركزية” يستثني “إلغاء الوساطة” و”المنافسة”، وهما عاملان أساسيان لتحقيق اللامركزية.
(يتبع)
