
على المرء الشريف أن يبدأ بتطبيق ما يدعو إليه، ثم يُعلّم.
(كونفوشيوس)
منذ البداية، يجب على القادة السياسيين والجهات المعنية بالثقافة الإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية: هل يُعدّ التعليم الفني والثقافي أولويةً للمجتمع ؟ ما هو الحد الأدنى من الثقافة الذي يحق لكل مواطن الحصول عليه بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية ؟ ما هي التزامات الدولة والسلطات المحلية والجمعيات والأفراد فيما يتعلق بالتعليم الفني والثقافي ؟
بحسب فرانسوا دي مازيير، “يجب أن نمنح الفرد الحد الأدنى من المعرفة التي تسمح له بالقول إن رامبرانت ليس لاعب كرة قدم وأن بيتهوفن ليس كلبًا” (الثقافة ليست ترفًا، La Culture n’est pas un luxe 1999).
3. تعليم الفنون في خطر
من الواضح أن الثقافة لا يمكنها بلوغ مستويات عالية من الرقي والإبداع دون وجود محترفين متفانين في فنهم ومؤهلين له بأجور مناسبة. ولكي يتحقق ذلك، يجب على الدولة أن توفّر نظاما تكوينيا ملائما كنا دوما ندعو إليه بالإضافة إلى الوسائل القانونية والمالية اللازمة لتنفيذه.
لكن، كم سنة يلزم لتدريب فنان في أي مجال ؟
يرى Patrick l’Echevin (1950)، الطبيب وقائد الأوركسترا، أنه من السهل حصر عدد السنوات اللازمة لتكوين طبيب، لكن يصعب التنبؤ بالمدة اللازمة لتكوين فنان (الموسيقى والطب، 1980).
لطالما عانى نظام التكوين الثقافي والفني من نقاط ضعف مستمرة، وهو أمر مثير للقلق لأن المدرسة لا توفر نظامًا عالي الجودة بما فيه الكفاية للتوعية الفنية والثقافية ولا تسمح بتكافؤ الفرص لجميع الشباب في الوصول إلى الثقافة والفن.
فراغ ملأه جزئياً نظام موازٍ من المدارس “المتخصصة” يعتمد أساساً على المبادرة الخاصة التي تعتمد بدورها على حسن نية السلطات المحلية بالإضافة إلى مستوى الكفاءة المشكوك فيه بشكل متزايد للمشرفين.
وأمام تزايد طلب العموم للحصول على فضاءات لأنشطة الهواة فإن جودة التكوين المقدم أقل أهمية من وجود هذه الأنشطة بحد ذاتها، والتي تؤدي وظيفة اجتماعية أكثر منها فنية.
وإذا كانت المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة فإن ذلك لا يعني أن السلطات المحلية والأفراد المنظَّمين في جمعيات غير معنيين بالمسائل التعليمية ذات الصلة.
إن التعليم الفني لم يسبق أن كان في مثل هذه الحالة الهشة كما هو عليه اليوم. فقد ساهمت المؤسسات الموروثة من الحقبة الاستعمارية – معهد الموسيقى والرقص، ومدرسة الفنون الجميلة، ومركز الفنون المسرحية – إلى حد ما، في تكوين فنانين موهوبين تميز العديد منهم بإتقانهم لفنهم وإسهاماتهم الإبداعية في التراث الوطني.
ونذكر، على سبيل المثال الموسيقيين عبد الحميد بلعلجية ومحمد سعادة والفنانين التشكيليين الزبير التركي والهادي السلمي والحبيب شبيل والمنصف بن عمر والمسرحيين علي بن عياد والمنصف السويسي والبشير الدريسي وهي أسماء، إلى جانب العديد من معاصريهم تركت بصمتها في شتى الفنون وفراغا بعد غيابها بالغ الأهمية.
استفاد الجيل الأكبر سنًا والذي تلقى تكوينا عمليًا مكثفًا على يد فنانين موهوبين من وجود فرق وجمعيات مرموقة تضم هواة ذوي خبرة غالبًا ما كان يُشرف عليها محترفون مؤهلون تأهيلاً عاليًا زودوهم بالخبرة الفنية وأتاحوا لهم فرصة عرض مواهبهم.
وقد اختفى هذا التوجيه مع تبسيط دور الهيئات المعنية (الجمعيات، والفرق، والنوادي)، التي اقتصر دورها على أنشطة غير مستقرة أو ربحية بحتة.
لقد كنا بالفعل، على مدى أكثر من خمسين عامًا، نذكّر باستمرار أن الوضع مثير للقلق وأن مستوى التعليم الفني كان منخفضًا للغاية بحيث لا يلبي احتياجات التنمية العامة ولا يتماشى مع المؤسسات المماثلة (انظر توصيات اللجان القطاعية لعام 1971، أرشيفات الوزارة).
خلال جلسات هذه اللجان القطاعية الأولى التي نُظمت بمبادرة من الوزير الشاذلي القليبي واستمرت ثلاثة أسابيع طرح المختصون علنًا جميع الشواغل الرئيسية لمختلف القطاعات، بما في ذلك غياب برامج التعليم العالي المتخصصة، دون التوصل إلى أي حلول ملموسة.
وقد قوبل الإصلاح الذي أوصينا به بمعارضة شديدة بحجة عدم توافقه مع الخيار السياسي السائد آنذاك، واستُبدل بعد عشر سنوات بإنشاء معاهد عليا لم ترقَ في معظمها إلى مستوى التوقعات.
كان الخطأ الأكيد هو إسناد وضع المناهج وإدارتها إلى أشخاص يفتقرون إلى المعرفة والخبرة اللازمتين. والنتيجة واضحة للعيان: برنامج مَعيب لا يُفضي إلى شيء سوى تخريج مُدرّسين تتراوح كفاءتهم بين الهواية وشبه الاحتراف.
ألم يقل “شونبيرغ” إن الطريق الوسط في الفن لا يُؤدي إلى شيء ؟
كيف لنا أن نقبل بأن يُوجَّه مختصو الفنون المستقبليون ببرامج حاسوبية لا تُؤكد بيانات تقييمها النتائج المتوقعة ؟
كيف لنا أن نُهدر طاقات العديد من الخريجين في برامج “وهمية” عديمة الجدوى مثل الموسيقى بمساعدة الحاسوب (MAO) وتقنيات تسجيل الصوت (TPS) التي أُنشئت على عجل من خلال “نسخ” نماذج أوروبية دون تروِّ ودون توفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة ؟
ولكي نفهم حجم المشكلة يكفي أن نتضوّر خريجًا من الثانوية العامة لم يكتسب سوى معرفة بسيطة بالرياضيات يُوجَّه لدراسة الرياضيات أو الفيزياء في الجامعة.
هذا ما يحدث فعلا للعديد من طلاب معاهد الفنون العليا. لذا، فإنه من المنطقي أن يكون هذا التكوين تحت إشراف وزارة الثقافة، ولكن بعد مراجعة ضرورية حتى تتفرّغ المعاهد التابعة لوزارة التعليم العالي للتعمق في المسائل النظرية والتاريخية والبيداغوجية.
(يتبع)
