
•لا يمكنك، وأنت تغادر المسرح الأثري بعد مشاهدة “قرهمانة”، العرض “المسرحي” الوحيد المدرج ضمن الدورة 60 لمهرجان قرطاج، ألّا تتساءل: من برمج هذا، وعلى أساس أية معايير، ولتحقيق أي هدف فكري؟
ذلك ان “قرهمانة” التي ألفها وأخرجها وجسّدها مغزّ التومي أتت بما يفرض هذه الأسئلة الحائرة التي تنتهي بالمتابع للشأن الثقافي الى التشكيك في قيمة مؤسسة مهرجانية في حجم مهرجان قرطاج ذي الستين عاما، وفي الدور الفاعل والصارم الذي عرفناه له منذ نشأته في دفع الإبداعية وتشجيعها، وفي فسح المجال لمن هم أكثر استحقاقا، مستوى ومثابرة، للحضور على ركحه الأسطروي، وفي الإسهام، بالنتيجة، في سحب الواقع الإبداعي نحو الأعلى والأذكى والأعمق.
◾️مزيج متنافر
“قرهمانة المخبّل في كبّة” لا تقدّم في النهاية شيئا يستحق الذكر. معز التومي اختار ان يجسّد دور المرأة العجوز-كسبا لتعاطف المتفرجين منذ البداية-ويتحدث بلغة سكان المدينة القديمة المفعمة بالعبارات الجاهزة-تحريكا للحنين إلى أزمنة قديمة غامضة-، لم يكن يبدو مهتما كثيرا بالأساسي في كل عمل مسرحي والذي لا يستوي دونه: ألا وهو انتاج المعنى. “قرهمانة…” لا تنتج أي معنى، ولا تحثّ المتفرج على طرح أي سؤال عميق، ولا تقدّم أي جمالية مبتكرة.
يحاول المتفرّج تتبع الممثل الذي يجهد الصوت والجسد ليدخله في تعرّجات وتقلبات امرأة عجوز لا يحدد هويتها مكان ولا زمان سوى لهجة خطابها ولباسها اللتين توحيان بأن تلك العجوز من قلب إحدى المدن العتيقة التونسية في زمن التلفاز الأبيض والأسود التي تذكر شخصية “كموشة” لمن مازال يتذكر. لكن الرحلة تنتهي سريعا ليجد المتفرج نفسه يراوح مكانه بين ماكينة خياطة وسرير الزوجية. وبين هذين الجزئيتين المرجعيتين يبحث صاحب العرض عن ذريعة لإسقاط بعض الانتقادات لهنات وسلبيات اجتماعية عابرة دون النفاذ الى عمق الظواهر ودون تفكيك دوافعها وأسبابها.
◾️البحث المتواصل عن استرضاء الجمهور
رغم تمتّعه بحضور جسدي وذهني حقيقي فإن التومي خضع لمزاجه الإستعراضي الذي طبع به عمله وبحث عن جذب اهتمام جمهوره وإسترضائه عبر التفاعل المستمرّ معه والتجاوب المباشر. فكان ينطق بالكلمة وينتظر رجع صداها عند جمهوره ليلطقتها من جديد ويردّ الفعل لإثارة ضحك بدأ يضعف قبل ان ينكسر تحت تأثير التكرار والإجترار. وللحفاظ على انتباه الجمهور وتفاعله وجد التومي نفسه محاصرا في فخه الذاتي مدفوعا إلى الخروج عن النص للتسليم على مدعويه في قلب العرض، مصافحا هذا ومقبًلا يد تلك، ورافعا سقف تفاعلاته مع الجمهور حدّ السقوط في الإبتذال وأحيانا البذاءة.
نخرج عندها هنا عن ومن المسرح كفنّ له قواعده ومتطلباته وشروطه لنجد انفسنا عند مفترق طرق أنواع فرجوية أخرى بين عرض الرجل الواحد one man show وبين عرض الكوميديا الفردية le stand up وبين المونودراما. فلا هو في الحقيقة هذا ولا هو ذاك في النهاية، وإنما هو مزيج متنافر من أنواع فرجوية بعضها قديم وبعضها مستحدث وأغلبها ذو طابع تجاري هدفها الأول جلب الجمهور واسترضائه باعتماد الخطاب المباشر والسهل…والفضفاض.
◾️الخروج عن/ من المسرح
“القرهمانة”، المرأة الأميّة التي تستطيع بذكائها الفطري ولياقتها الكلامية وفصاحتها المخادعة إدراك كل التحولات الإجتماعية وتجاوز كل الصعوبات…بقيت في نهاية المطاف فكرة لم تُنجز ومشروعا لم يتجسد في غياب معالجة مسرحية جادة وفي غياب امتلاك العرض لأدواته الحرفية المتينة من رؤية إخراجية واضحة، وتمثيل دقيق، ودراماتوجيا مضبوطة، وتحكّم في الزمن الدرامي… وكلها شروط تضمن صناعة مسرح بما تعني كلمة مسرح من التزام بتوجّه بيّن، وسعي جاد الى طرح الأسئلة الحقيقية التي توسّع مساحة المعنى وتنمّي الفكر وتغذّي الإحساس.
لقائل ان يقول إن الجمهور حضر بأعداد كبيرة وتجاوب وضحك وصفق، “فماذا يريد الشعب أكثر من ذلك”؟ ولكن ، وإذا ما اعتبرنا ان عدد الجمهور دلالة قاطعة على قيمة ما يُقدم له، فهل كان ذلك الجمهور يدرك أنه جاء ليحضر عملا مسرحيا أم سهرة تنشيطية يتمنطق فيها فنان استعراضي بلغة الأجداد ليقول لا شيء؟
لذلك، وعودًا على ذي بدء، نطرح السؤال مرة أخرى: على أي أساس تم اختيار هذا العمل وتحميله المسؤولية الحصرية لتمثيل المسرح التونسي ذي التجربة التي فاقت القرنين من الزمن، على ركح قرطاج في عامه الستين؟ ألم يكن من الأجدر في غياب انتاج يتبناه المهرجان كما كان الشأن في السابق، أو ان يُعطى الركح لأعمال منجزة لها قيمتها ومستواها مثل عمل “حلم” للجعايبي/بكار، أو “الهاربات” لوفاء الطبوبي أو “جاكرندا” للمسعودي/السعيدي؟ بل ألم يكن من المنطقي ان تتاح لمثل هذه الأعمال فرصة الحضور على قرطاج؟ ألم يكن ذلك من المسؤوليات الثقافية الوطنية المتأكدة؟.
مهرجان قرطاج لايمكن ان يكون فضاءً لمغنيي الحفلات بحجة قدرتهم على ملء المدارج.
