بقلم نوفل بن عيسى
منذ ما يناهز الثلاثة عقود أُحدثت بوزارة الثقافة صناديق للتشجيع على الانتاج الفني والادبي وهذه الصناديق عديدة ومختلفة جعلت لها لجان فرز وتحكيم لتبين من يستحق الدعم من غيره ولكنها في الحقيقة استشارية اذ يرجع القرار الأخير الى الحاكم بأمره، في القطاع صاحب المعالي، الوزير.
ومن الناحية المبدئية فان الصناديق تشجع الانتاج ولا الأشخاص ولكن في الفعل فإن الامور لا تحسم باعتبار مقاييس موضوعية ولكن باعتماد اعتبارات ذاتية.
فمن المترشحين من هم مفروزون من طرف السلطة الحاكمة أو من طرف معالي الوزير ومنهم “فيلق” الحاجيات الخصوصية ومن حظي بتعليمات تقدمه عن غيره لأسباب اجتماعية ومنهم من “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون” اذ لهم اياد خفية فاعلة داخل اللجان ومنهم من له حماية مستديمة من أهل الذوات وغير ذلك من الوسائل المندد بها في العلن والمألوفة في العمل كالرشوة و”الجعالة”.
وعندما تنتهي كل الملفات المعنية بهذه الاعتبارات تبدأ اللجان باعتماد المقاييس الطبيعية والموضوعية في الحكم على ما تبقى من الملفات “غير المسنودة” لتقرر لها بعض ما تبقى من اموال مرصودة وعندما يتظلم أحد المترشحين المقصيين يجد ابواب ايصال صوته “لمن يهمه الامر” موصودة وفي أحسن الحالات يتوصل الى “بعض الترضيات” لتهدئته واخماد صوته وهذا الحال ليس سرا ومتواصل منذ قبل الثورة وبعدها.
وحيث صارت الصناديق المذكورة صناديق اجتماعية وحمائية للبعض ولا حق فيها للمفروزين ثقافيا مهما كانت قيمة انتاجهم الابداعية في حين أنها جعلت للاستثمار في دعم الانتاج الثقافي الفني والادبي وابراز طاقات البلاد في هذا المجال وتشجيعها على الابداع والمثابرة وتحفيزها على التألق وبالتالي فمن المفروض أن يكون التمييز باعتبار قيمة الانتاج لا غير ورغم أن الدولة قد رصدت آلاف آلاف الدينارات على مدى سنوات في هذا الإطار فلم تحصل فائدة فنية وادبية تذكر ولم تجن اثراء للانتاج الثقافي الوطني من هذا الاستثمار في مستوى الاموال المرصودة.
عندما نتفحص في شأن المجال الموسيقى على سبيل المثال لا نجد لهذا الانتاج “المدعوم” اثرا لا في وسائل اعلامنا السمعية والبصرية ولا في المهرجانات والمسارح ولا في غيرها من وسائل الترويج والعرض وحتى ان وجد فهو زهيد واستثناء لا يقاس عليه. والغريب في الأمر أن التلاعب في اللجان وبأموال الصناديق وسوء التصرف فيها وصرفها حسب الولاءات والصداقات والمصالح وغيرها من الاعتبارات التي سبق ذكرها معلوم لدى الجميع وقديم متجدد ومع هذا تغير اسم الوزارة اكثر من مرة وتغير الوزراء ولم يتغير شأن الصناديق ولا لجانها فلا تقييم ولا متابعة ولا محاسبة ولا مراجعة رغم أن الوزارة صارت منذ سنوات وزارة الصناديق والمهرجانات وصارت الثقافة هباء منثورا في وطن المالوف وابن خلدون والشابي وابن عاشور وفي هذا دليل على فشل الدولة في رعاية الثقافة والمحافظة على التراث وتثمينه والاستثمار في دعم الانتاج الفني والادبي وكل ما توصلت إليه هو ان جعلت صناديق هبات واهدار المال العام!
