
وأنا اعيد قراءة كتاب الأب سهيل قاشا حول المعتزلة استوقفتني هذه الفقرة التي يتحدث فيها المؤلف عن المجالس والمناظرات الفكرية التي تحولت في عهد الخليفة العباسي المأمون إلى تقليد راسخ يُمارس بحرية لم تتوفر منذ ذلك الوقت في اي من بلداننا العربية الاسلامية.
و مما يذكره الأب قاشا أن الخليفة المأمون نفسه كان يحضر هذه الجلسات التي تُخصص للمناظرات و التي كانت تستند الى طُرق و قواعد معلومة كرستها مؤلفات عديدة حول”آداب الجدل و المناظرة”.
من تلك القواعد والمبادئ التي كان يجب اتباعها “التحرر عن رفع اليد أو الضرب على الفخذ أو رفع الصوت أو الاستهزاء بطريقة من خلال التناظر”. كذلك ومن قواعد هذه المناظرات “إباحة الإبتسامة بدل القهقهة عند إفحام المقابل”.
أتساءل:أين نحن اليوم من تلك الثقافة العقلانية التي اثمرت زخما مكّن من تحقيق قفزة ثقافية نوعية زمن الدولة العباسيه والتي ما أن استُبعدت وبدأت في الإندثار حتى تهاوى الفكر وظهرت بوادر الانحطاط الحضاري وصار نجم العرب الى الافول؟
لنقلها بوضوح: لا مستقبل لأي شعب لا يُقرّ بحق الاختلاف في الفكر والرأي والانتماء، ولا يستمع لمكوناته الاجتماعية في تنوّعها واختلافها بل و في اختلافاتها.
الخوف كل الخوف ان نكون نحن التونسيين الذين كذّبنا قرونا من الإدعاء الكاذب والمغرض وأثبتنا جدارة العرب والمسلمين بالديمقراطية وبقدرتهم على أخذ زمام مدّ جذورها في الواقع والممارسة اليومية،قد بدأنا في التراجع والرجوع الى سنوات التضييق والقمع، وكأننا كُتب علينا الّا نتمتع بالحرية الا بمشاهدتها عند الآخرين.
والخوف من هذا التراجع الذي اقرّته التصنيفات العالمية مثل تقرير” مخبرون بلا حدود” الأخير، لم يعد تبرره عودة المراقبة والتعليمات والاصطفافات والمكافآت، وانما كذلك، وأخطر من ذلك، السقوط في الرداءة والخطب الجوفاء المتناسخة بعضها عن بعض.نحن لا نتحاور في تونس:نتشاجر، يتّهم بعضنا البعض، يُهين بعضنا البعض أو يتجنّب بعضنا البعض لنترك الإذاعات والتلفزات،بما فيها العمومية، غارقة في الضحالة والسطحية والترفية التّافه.
الديمقراطية؟ اي ديمقراطية ممكنة دون مناظرات جديّة وحوارات معمّقة ونقاشات مركّزة؟ أليس الإصلاح التربوي مسألة تستحق ان نتحاور حولها؟ والبئة؟والثقافة؟والفلاحة؟والعمل البلدي؟ والذكاء الصناعي…؟
أليست كلها مواضيع من شأنها ان تشكل أساسا لحوارات عميقة تحترم قواعد التناظر والنقاش، تتقدم بوعي التونسيين وتصالحهم مع الفكر والتفكير؟ هل يمكن للديمقراطية ان تبنى بغير المعرفة والثقافة؟
