إشتد الصراع في الساحة السياسية للإستحواذ على أكثر ما يمكن من السلطة والنفوذ، نقول ” الإستحواذ” لأن ما يحدث من صراعات ومناورات وتحالفات “حمائية” مشبوهة، يؤكد أن الرغبة في إفتكاك الكراسي تجاوزت كل القيم والشرائع والقوانين ومبادئ الممارسة الديمقراطية. لا شك أن التونسي قد أكد، خلال سنوات الجمر والإنفلات المحموم أنه مسكون بهاجس السلطة، وقد غرق حتى النخاع في أوهام سحرها الآسر، وبدا وكأنه مرتبط إرتباطا عضويا وثيقا بخطيئة آدم وحواء، الذين توصل الشيطان إلى إغوائهما للخروج عن طاعة الله بأن قطع لهما وعدا بتحويلهما إلى آلهتين بفضل ثمرة الشجرة المحرمة، أي إلى صاحبي سلطة ونفوذ مطلقين، لم يتعودا على إمتلاكهما عندما كانا بريئين ! لذلك يتميز المخيال الشعبي التونسي بٱختزال السلطة في الدولة، أي القيادة والحكم وتفرعاتهما. من هذا المنظور، الغارق في مستنقعات الطمع والإنتهازية والجنوح السلطوي، إنزلق السياسيون، بكل أثقالهم، في حضيض الصراعات الوضيعة، لتنفجر براكين الفتنة النائمة، تحت مظلات عديدة مخادعة، حتى أصبح التحرك على أساس الإنتماءات الدينية والطائفية والعرقية والعشائرية والقبلية والجهوية وحتى الخارجية أمرا عاديا وممارسة مشروعة رغم خطورتها على استقرار البلاد وأمنها وسبادتها ومناعتها.
كل ذلك من أجل كراسي السلطة والنفوذ حتى وإن أدى الأمر إلى حدوث كوارث مدمرة للوطن والشعب.
من المؤسف والمؤلم والمحبط أن يتحول العمل السياسي في بلادنا إلى حلبة صراعات وضيعة ودنيئة ،مشحونة بالحقد والكراهية والشماتة إلى حد الإرتماء بين أحضان الأجنبي من أجل السلطة ونفوذها وغنائمها ! بئس مساعيكم وبئس ديمقراطيتكم المزيفة، وبئس حريتكم المخادعة، وبئس المسلك الذي إخترتموه للفتك بالشعب وتخريب الوطن.
مع إطلالة كل يوم نكتشف إنزلاقا جديدا في منحدرات صراع مدمر، مما يؤكد، بالحجة والبرهان، أن هذه الطبقة السياسية التي تشكلت طيلة أكثر من عشرية من زمن الفوضى والإنفلات، لا رغبة لها في الديمقراطية والحرية والإصلاح والبناء، وليس لها من هدف إلا الإستحواذ على السلطة.