بقلم: رضا القلال
الحياة وثيقة فرح وألم *مبدؤه أخذه من أبي القاسم الشابي، وفلسفته من سقراط* تجربة خصبة في الكشافة والسياحة والسياسة والإعلام.
بقلم رضا القلال التاريخ ميّت وساكن، إلى أن يأتي من يضعه بين دفّتي كتاب، فتسري الرّوح في جسد هذا التاريخ، وتدبّ الحركة في أحداثه ومواقفه وشخصياته، ويصير حاضرا ومستقبلا.
هذا هو كتاب الأخ الصديق التيجاني الحداد الذي خصّه بعنوان مسارات..
مسالك ودروب ويبدو واضحا أن الجهد الذي أنتج هذا الكتاب في 222 صفحة كان مدهشا، سطّره مؤلّفه بتيّار متدفّق من الكتابة الشائقة باللغة الفرنسية.
فعندما تبدأ الصفحة الأولى من الكتاب يشدّك إلى الصفحة الأخيرة، وتشعر بالموضوعيةوالصدقيّة(من الصدق)، وبأنه رجل تتفوّق عنده الذّاكرة عند استرجاع الغائب، والمنسي من الزمن المستعاد.
رحلة الكتاب طويلة في الزمن حيث ابتدأت عندما رأى التيجاني الحداد النور في صفاقس سنة 1942، وتواصل خط مسارها إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وإذا كانت الحياة وثيقة فرح وألم، فيبدو أن الدنيا وقفت مع التيجاني الحداد في جانب النجاح والتألق: مسك بمفاتيح اللغة، وقاده خطاب بورقيبة في أريحا الفلسطينية عام1965، وتدهور العلاقات التونسية المصرية إلى الانتقال من جامعة القاهرة إلى جامعة تونس للتخصّص في اللغة الإنجليزية وآدابها.
فهو يحسن اللغات الثلاث العربية والفرنسية والانجليزية ، وقليلا من الاسبانية والإيطالية.
ومسك أيضا بمفاتيح الإعلام والسياحة وهي من المهن الجذابة.
فقد أصدر مجلة للأطفال قوس قزح وأول صحيفة أسبوعية باللغة الإنجليزية في تونس ;Tunisia News كما أصدر أول مجلة سياحية على المستوى العربي الافريقي La Gazette touristique وأسس دارا للطباعة والنشر قرطاج بالشرقية.
وقد اضطلع بمسؤولية رئيس جمعية مديري الصحف.
وكان إلى جانب ذلك صحفيا ومنتجا تلفزيا لبرنامج نادي الشباب وكان محمد مزالي هو الرئيس المدير العام للإذاعة والتلفزة التونسية آنذاك.
وقد استضاف فيه رواد أبولو 12 اثناء زيارتهم لتونس ومقابلتهم للزعيم بورقيبة، وحضره حشد من الاعلاميين والسياسيين منهم د.محمد الماطري العارف باللغة الانجليزية.
علما وأن التيجاني الحداد بدأ حياته المهنية بالقطاع السياحي في وزارة الاقتصاد الوطني. وكان رئيس مجلس المنظمة العالمية للسياحة بمدريد، ومستشاره الخاص.
ويترأس منذ أكثر من عقدين الفيدرالية الدولية للصحفيين وكتاب السياحة ومقرها باريس ولهذا كانت له أسفار مستمرة في أرجاء قارات العالم،التيجاني الحداد تزخر حياته بالفعل الاجتماعي/السياسي.
هو القائد الكشفي بصفاقس، بكل مزايا هذه الحركة وما ضخّته للشباب من أخلاقيات وإرادة ووطنية. وبهذه الصفة شارك في معركة بنزرت تلبية لدعوة القائد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي.
وهو كذلك عضواتحاد طلبة تونس أيام الجامعة بكلية 9 افريل.
وفي كل هذه المحطّات أبان التيجاني الحداد فيما يدعى بالسمات الشخصية عن صبر ودأب ومثابرة وكدّ، وقبول التأنّي والتدرّج.
وهو ذاته يعترف أن المبدأ الذي أنار حياته وتحكّم فيها هو بيت أبي القاسم الشابي من قصيدة إرادة الحياة:
ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفروهكذا يصبح التاريخ عند التيجاني الحداد، بمعنى من المعاني، تاريخا للأفكار فقد اتبع الوصية الكلاسيكية القديمة اعرف نفسك وهي عبارة سكّها فيلسوف اليونان سقراط، وأخرج تاريخه الشخصي المخزون في داخله في هذا الكتاب، وأتاح لنا قراءة خطابات مجاورة تتعلّق بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والإعلامي.
وأقدم على إصدار هذا الكتاب والكلمة المطبوعة لها مزاياها العديدة وأبرزها الثبات في الذاكرة والتأثير الطويل المدى.
كتاب مسارات، مسالك ودروب ذو طابع خاص، كأنه يعزف على ثلاث نغمات متوافقة نغمة ذاتية/محلية، ونغمة وطنية، ونغمة عالمية.
فقد أسس التيجاني الحداد عندما اضطلع بمهام وزارة السياحة 3 مؤسسات سياحية بصفاقس تهتم الأولى بشط القراقنة والثانية بشاطئ الشفار والثالثة بمنطقة في النخل بقرقنة، ودعم مشروع فندق الحدادين.
وأشار الأستاذ عادل كعنيش في أحد تعليقاته بأن الكتاب يصب في مسارات شعب وذكر الصحفي محمد غلاب أن خميس الجيناوي وزير الخارجية الأسبق حدّثه عندما كان سفيرا بلندن، أنه عندما يدخل التيجاني الحداد إلى مجلس العموم البريطاني، لا تسمع إلاّ مرحبا تيجاني وكأنه بين أصدقائه.
ومن اللقاءات التي يذكرها التيجاني الحداد، وموثقة بالصورة في مكتبه بالحمامات، مقابلته مع الرئيس العراقي صدام حسين، قبل الغزو الأمريكي بمدة قصيرة، مبعوثا من البرلمان العربي، وهو عضوبه، لينقل له موقف البرلمانيين العرب من صراعه مع الولايات المتحدة الامريكية، وبعد أن استمع إليه جيدا قال له لا خوف علينا، ولا خوف على الجيش العربي العراقي وله قائمة طويلة مصوّرة من اللقاءات مع رؤساء الدول والحكومات.
من الأخبار الجيدة نأتي الآن إلى الاخبار السيئة، وليست بالكاذبة. ومن تاريخ الفرح إلى تاريخ الألم.
التيجاني الحداد له مصاهرة مع حامد القروي وأحمد بن صالح، وقرابة بالسيد احمد نورالدين وتشابكت حياته معهم بشكل أو بآخر، ولا يعني هذا أنهم وراء الأحداث الثقيلة التي عرفها بشكل مباشر.
فإبعاد بن صالح عن الحكومة والزجّ به في السجن سنة 1970 ألحقت به الشدائد والصعوبات.
وبحكم امتلاكه لشركة طباعة بالعاصمة، فقد طبع جرائد المعارضة للنظام مثل جريدة الرأي وجريدة المستقبل وطبع الكتب المحظورة، فجرّ إلى مظالم أخرى تكبّد فيها 17 يوما في وزارة الداخلية سنة 1985.
وإبعاد حامد القروي من رئاسة الوزارة الأولى أقحمه في الظل… ولكن الرياح السامة جاءت بعد2011، بحيث لم يكن النهر دائما هادئا كما قال الصحفي عبد الجليل المسعودي.
وقادته سياسة التشفي والانتقام، وهنا يكمن لب المشكلة وجوهر القضية، إلى 30 جلسة محاكمة في قضية المغنية ماريا كاري مع كمال ساسي كاتب الدولة للشباب والرياضة وسميرة الخياشي وزيرة التجهيز، والحكم على هذه الشخصيات التي بصمت تاريخ الدولة التونسية منذ الاستقلال بست سنوات سجنا. وتجنّد 150 محاميا للدفاع عنهم ونجحوا في فضح المساوئ وأوجه الخلل الفاضحة، وإنهاء تلك المهزلة التي كانت ستغرق 1600 موظف، بما يعرف المصالحة الإدارية في انتظار أن تشرق الشمس من جديد على هذا الوطن.وباختصار كما يكون المرء يكون تفكيره.
والتيجاني الحداد إنسان عملي براغماتي.
فكره متوهج مثل العقول اليابانية والصينية والهندية الجيّدة التي تعمل من دون تعب أو كلل، والذي يعمله أو ينجزه له قيمته التي يستحقها.
والكتاب الذي نشره يستحوذ على كل الاهتمام ويتابع فيه القارئ عديد الحقائق، وبالخصوص تجربة حيّة تناولها في صيغة رواية شائقة أو قصة مثيرة.
وقبل وبعد ذلك فالتيجاني الحداد رجل شهور ومرموق سبق كتابه. وأنا مدين للحظ السعيد أني عرفت الأخ الصديق التيجاني الحداد منذ سنة 1989 في مؤتمر الفيدرالية الدولية للصحفيين وكتاب السياحة بتونس.
وهو شخص دافئ، مستريح في علاقاته الحميمية، يجيد معاملته مع الناس، شخصية كاريزمية بامتياز، له القدرة على القيادة مع طاقته وثقته بذاته، وميله إلى الجوانب المشرقة في الحياة.
