
يوسف الرّمادي
وكان ذلك آخر لقاء بيننا (بين مزالي وعاشور)لكن جوابي الواضح والصارم جعل الحبيب عاشور يحقد لما اعتبرته –أنا- ابتزازا منه لذلك و بكلّ حزم ضاعف في شنّ الإضرابات وخاصة في المعاهد والمدارس الثانويّة كما أرجع بمجرّد قرار شخصي في صفوف الاتّحاد خاصة في قطاعي التعليم والبنوك كثيرا من النقّابيّن الذين لهم آراء يساريّة متطرّفة والذي كان هو نفسه الذي أطردهم لهذه الأسباب منذ أشهر. وممّا عرف عن الحبيب عاشور أنّه كان شديد الاندفاع ويتصرّف غالبا تصرّف طفل عندما يغضب ويكسّر لعبته.
وكان يُسيّر مركزيّة الاتّحاد كأنّه” الأب الروحي” وفي 11جانفي 1983 وبجرّة قلم أبعد سبعة من رفاقه من الهيئة التنفيذيّة الذين قاسموه السجن في 26 جانفي 1978 وعند ما شعر بخروج جريدة الشعب عن رقابته عزل الامين العام المساعد الطيّب بكوش المسؤول في هذه الجريدة وقد رفض البكوش هذه الدكتاتوريّة كما رفض المهمّة الجديدة التي اسندها له.
ثمّ وتبعا لسلوكه المتذبذب تجاه الاعتداء الليبي على تونس ورغم احترازاتي فإنّ الريس بورقيبة قرّر إيقاف الاقتسام من المورد كاشتراك نقابي 1في المائة من الأجر وأنهى الوضع على الذمّة مع صرف الأجور كاملة من الاتّحادات الجهويّة وبعض القطاعات الوطنيّة.وهي امتيازات أسندت سنة 1957 بمجرّد منشور لذلك في 30أوت 1985 حذفت بمنشور.
إنّ صرامة الحكومة وروح المغامرة عند عاشور قد قادا لتجاوزات مؤسفة من طرف النقّابيّن وكذلك من طرف عناصر من الحزب الدستوري حيث أنّ كثيرين منهم لم يقبلوا التفتّح السياسي والاجتماعي الذي اتّسمت به سياستي فلم يتردّدوا في اقتحام مقرّات الاتحاد وأطردوا العناصر المنحازة لعاشور.
وقد حاولت تعديل الوضع وإيقاف هذا الانحراف في خطابي يوم 9نوفمبر 1985 أمام البرلمان وقلت إنّي لا أرغب في خميس أسد آخر وتوجهتُ للحبيب عاشور قائلا :”السيّد عاشور سأحرمك من فرصة الذهاب للسجن”.
لكن وإلى منتصف ديسمبر 1985 لم ينقطع بورقيبة على ترديد كان عليك سجنه(عاشور ) وكنت أجيبه إنّ عاشور يكون أقلّ خطورة عندما يكون في بيته منه في السجن.
وفي يوم من الأيام عندما دخلت لمكتب الرئيس على الساعة التاسعة مثل ما اعتدتُ عليه وجدتُ عنده وزير العدل وكاتب الدولة للأمن الوطني وبدون أن ينظر نحوي أمر -أعاد الأمر ليسمعني- بإيقاف الحبيب عاشور.
وحسب ما كنت أتوقّعه إذ القادة الأساسيّن للاتّحاد الغاضبين على عاشور انفضّوا من حوله وعيّنوا يوم 14 نوفمبر 1984 منسّقا لتعويضه وهو الصادق علوش ولكن بحركة تضامنيّة طبيعيّة قامت الهيئة الاداريّة بإرجاعه أمينا عاما بعد أن كانوا أبعدوه منذ خمس أسابيع وها أنّ عاشور يتقمّص دور الضحيّة من جديد.
إنّ الهزّات والمآسي الاجتماعيّة والسياسيّة التي كان فيها طورا الضحيّة وطورا آخر السبب والتي حاكها البعض من قادته في نطاق المعركة للسلكة كان الحبيب عاشور أحسن مثال عليها.
في المؤتمر السادس للاتّحاد سنة 1956أنتخب عاشور الأخير بينما كان أحمد بن صالح الأوّل ولكن عاشور لم يقبل هذا باعتبار الدور الذي قام به في المقاومة وكذلك لأنّه كان مع حشّاد من المؤسّسين للاتّحاد وقد قبل أن يقسّم النقّابيّن بإذن من بورقيبة الذي كان متخوّف من بن صالح وبذلك بعث الحبيب عاشور مركزيّة نقابيّة جديدة فكان بذلك-تاريخيّا- أوّل من قسّم الحركة العمّاليّة وبعد أن ذهب بن صالح رجعت الوحدة العمّاليّة وعيّن أحمد التليلي أمينا عاما وقبل عاشور أن يكون أمينا عاما مساعدا.
وبعد كثيرمن المحن التي أدتْ به حتّى للسجن فقد برز أثناء مؤتمر الحزب الدستوري في 1971 بدعمه اللامشروط للهادي نويرة وهاجم ما يعرف بالمستقيلين الذين يقودهم أحمد المستيري ولم يتردّد عندما كانت الجامعة في حالة غليان فبعث “عمّال المناء” للكمبوس مقرّ الجامعة لضرب الطلبة وخلال اجتماع انعقد في قصر الرياضة بإشراف الوزير الأوّل الهادي نويرة صدع بقوله “: لسنا شيوعين ولا ماويّن ولا ترسكييّن….فنحن بورقيبيّن…”وبعد الوحدة التونسيّة الليبيّة فقد انحاز إلى جانب صديقه المصمودي رغم العقد الاجتماعي الممضى مع الحكومة والذي يمتّع الطبقات العاملة بامتيازات كثيرة وبدأ في هرسلة نويرة والرفع من المطالب لكنّ بقيّ على علاقات ممتازة مع الرئيس بورقيبة رغم أنّ نويرة كان رفيقه في الكفاح ومحاميه في معركة الاستقلال .
ورغم الإحباط فإنّ عاشور الذكي والطموح أراد التقرّب من القدّافي وأن يلعب دورا إلى جانب المصمودي رغم أنّ العلاقة بين تونس وليبيا كانت متوتّرة وقد سافر لليبيا يوم 6 سبتمبر 1977 بدعوى أنّه سيطلب المساواة في الأجور الفلاحيّة بين العملة الفلاحيّن الليبييّن والتونسييّن لكن اللقاء مع القدّافي كان لقاء سياسي وبحضور محمّد المصمودي الذي كانت علاقته مع بورقيبة ليست على ما يرام منذ 1974 .
وقد رجع الحبيب عاشور من ليبيا في الطائرة الخاصة للقدّافي وقد صرّح عند نزوله من الطائرة أنّ ليبيا وضعت على ذمّته أموال لبناء لبناء مساكن للعمّال وبعده نزل من نفس الطائرة محمّد المصمودي.
لكن عاشور الذي غّرر به كلّ من وسيلة والطاهر بالخوجة وخاصة المصمودي آمن بأنّ لا شيء في المستقبل سيمنعه من الوصول لقصر قرطاج.
ويوم غرّة ماي 1986 استقبل بورقيبة أعضاء المكتب التنفيذي الذين وقع تقديمهم من إسماعيل الماجري الأمين العام الذي صرّح “:من المسموح لنا أن نستعمل الألفاظ العاذدّة والتي بها نكون قد رجعنا للأصل أنا شخصيّا عشتُ فترة معركة التحرير الوطنيّة مع المأسوف عليه فرحات حشّاد ورفاقه فعلى رأس الحركة النقّابيّة وقد ناضلنا لتحرير البلاد من الاستعمار جنبا على جنب وبدون أي تفريق مع الدستوريّن والحبيب عاشور نفسه كان عضوا في الديوان السياسي ولم يغادره إلّا عندما عشّشت في دماغه فكرة الوصول لقصر قرطاج التي غذّاها محمّد مصمودي القائل :”لا أحد غير الحبيب عاشور قادر على خلافة بورقيبة ” ….
يتبع…
