
بقلم عبد الجليل المسعودي
لم تحتل وفاة رئيس الحكومة الإيطالية أمس الأثنين في إعلامنا غير ما تسمح به مساحات الخبر العادي العابر.
وهو تقصير، بل خطأ كبير، لأن الرجل يستحق أكثر من ذلك، وهو دون شكّ حالة للدراسة والتفكير.
سيلفيو برلوسكوني، أو “الفارس”Il Cavaliere كما يحلو له أن يُنادى، أو “التمساح” Caïman كما يفضّل منافسوه أن يلقبوه، غيّر جذريا السياسة، مفهوما وممارسةً، لزمن قد يطول لاحقاب بعده.
لم يتوقف تأثير بلوسكوني على إيطاليا التي تولى منذ سنة 1994 رئاسة حكومتها لثلاث مرات-وهو رقم قياسي- بل تجازها لكامل المنطقة الأوروبية والعالم، وما من شك ان ظهور رجل مثل دونالد ترومب على رأس الولايات المتحدة الأمريكية، وآخرين عديدين مثل الرئيس الحالي للمجر فيكتور اوربان والرئيس السابق للبرازيل جاير بلصونارو…، يعود الفضل فيه الى برلوسكوني الذي فتح الباب على مصراعيه لرهط من الزعماء السياسيين الانتهازيين الذين لا يتراجعون أمام توخي الخطاب الشعبوي لاستمالة الجماهير، ولا يترددون حين وصولهم الى كرسي السلطة في استعمال نفوذهم لتغيير القوانين لخدمة مصالحهم الخاصة والفيئوية، ولا يمانعون في تحدّي كل الاعراف والتقاليد والنواميس التي تفرضها المسؤوليات السياسية العليا لإشباع غرائزهم ولو كان ذلك على حساب فضائح مدويّة.
لقد استغل برلوسكوني تراجع تأثير العائلات الحزبية التقليدية الإيطالية في نهاية ثمانينات القرن الماضي، سواء الديمقراطية المسيحية أو الاشتراكية أو الشيوعية، ليؤسس حزبه “فرصا إيطاليا” Forza Italia ويحوّله سريعا الى آلة انتخابية رهيبة وآلية ناجعة لقضاء مصالحه الشخصية وبناء ثروة لا حدود لها جعلت منه أثرى أثرياء إيطاليا.
واعتمد في تحقيق “خليط الانواع” الذي مارسه لعقدين كاملين بين أنشطه الخاصة ومسؤولياته السياسية على امبراطورية إعلامية ضمّت 5 قنوات تلفزيّة وفرق رياضية سيطرت على الساحة الأوروبية كان أبرزها فريق آسي ميلانو.
اليوم يطرح السؤال: أي إرث لرجل حكم إيطاليا بطريقة لم تُحطم بها من قبل؟
ربّما حرّك برلوسكوني الذي كان يتمتع بحيويّة وكاريزما حقيقية سواكنَ المجتمع الإيطالي وساهم في دفع عجلة النمو في بلاده، لكن سلبيات حكمه أكثر بكثير من إيجابياته.
على المستوى الشخصي يبقى رجل الفضائح الجنسية والمالية صاحب الثلاثين قضية في الفساد لم تقع ادانته الاّ في واحدة منها سنة 2012 فكانت بداية نهايته.
ثقافيا فإن “تلفزة القمامة” وما تعنيه من ضحالة وتمييع وبحث محموم وراء إرضاء المشاهد بكل الوسائل، السّمة البارزة في التجربة البرلوسكونية.
أما على المستوى السياسي فإن إسم برلوسكوني سيبقى الى زمن مقترنا بالشعبوية التي اطاحت بمبدأ الجدارة وحررت اليمين المتطرف من عُقده وأوصلته الى السّلطة.
وفي الحقيقة فإن ما تبقى من برلوسكوني هو كاريكاتير السياسي.
كاريكاتير حكمت أيطاليا بقوة المال والتلاعب بالقانون والفضائح المالية والجنسية، واثّرت ايما تأثير في مفهوم السياسة وممارستها في أكثر من بلاد في العالم.
