
بقلم عبد الحميد الزغلامي
ابناء جيلي-جيل الاستقلال- ومن هم أكبر سنا يتذكرون دون شك كيف كانت بناتنا ونساءنا في بلداننا الرازحة آنذاك تحت الاستعمار تُسمّين باسم بلدانهنّ حبّا وتعلقّا ووفاءًا.
في تونس كان اسم “تونس” منتشرا بين الإناث، وكذلك الشان في الجزائر حيث كانت نساء كثيرات تحملن اسم “الدزاير” (الجزائر )، تحدّيا للمستعمر، واعتزازا بالانتماء الى البلاد والتزاما بالنضال من اجل استقلالها.
لقد ادركت شعوبنا مبكّرا أن المرأة هي خير من يمثّل البلاد، لأنها الضّامنه للتاصّل والاستمرارية.
يلتفّ الشعب التونسي اليوم اكثر من كل الأيام التي سبقت، ومعه باقي الشعوب العربية والافريقية والنامية وراء بطلة التنّس العالمية أنس جابر في نزالها هذا المساء ضدّ التشيكيّة فوندروزوفا للظفر بأجمل وأغلى وأرقى كؤوس هذه اللعبة،انها كأس ويمبلدن، أعرق كؤوس التنس إطلاقا.
وتشاء الصدف ان تكون ممثلة تونس تشترك مع بلادها في الإسم، وهو اشتراك محمود لأنّ “أنس” مثل بلادها “تونس” تُؤْنِسُ فعلا بما تعني هذه المآنسة من احساسٍ بالطمانينه والألفة والإرتياح.
غير أنه، وأبعد من هذه الصدفة الجميلة في التّسمية، فإن أُنس أفضل من تمثّل اليوم المرأة التونسية، التي راهن عليها زعماء البلاد وعلى رأسهم خالد الذكر، الحبيب بورقيبة، لتكون في مرتبة الرجل متحررة من الجهل والأميّة وعقدة الدونيّة، و لتكونَ في ذات الوقت مسؤولةً بقدر ما هي حرّة، مضطلعةً بدورها كاملا في النهوض بالبلاد حاضرا ومستقبلا.
ذلك الرهان التاريخي يظهر ويتجلّى على حضور هذه البطلة في المحافل الدوّلية ووقوفها بثقة واقتناع واعتداد بالنفس أمام أعتى بطلات العالم من أكثر بلدان العالم تطوّرا، والفوز عليهن فنّا وطريقة وتسجيل اسم تونس عاليا في سجلات تاريخ هذه اللعبة.
طبعا، التنّس في آخر الأمر هي مجرّد لعبة. لكنها ليست لعبة مجرّدة من معاني التفوّق والانتصار والصراع من أجل الحقّ في مستقبل أكثر مساواةً وإشراقا. وقد تكون هذه المعاني ذات دلالةٍ اكبرَ وأهمَّ حين يكون المصارع إمرأة تنتمي إلى عالم لم يتحرر فيه الرجل بعْدُ من عقدة تفوّق وأفضليّة قرون التخلّف الطويلة.
وأُنس هي كذلك خير من تمثّل تونس بما تتميّز به من ذكاءٍ وقدرة على التّواصل والتأقلم، ومن روح الدّعابة وحسّ الفكاهة الدّالة جميعها على مستوى عالٍ من التثقّف والتفتّح، أي كل ما يمثل جوهر تونس والتونسيين.
من أجل كلّ ذلك، وقبل ان ترفع كأس ويمبلدون، فإن أنس قد فازت بشرف تمثيل تونس خير تمثيل وأدخلت على قلوبنا فرحةً غيّبتها المصاعب، واثلجت صدورًا خنقتها أمواجُ الشهيلي.
