بقلم عبد الجليل يوسف
الاحتفاء بنجوم الأمس على أركاح كبرى المهرجانات وتقديم بعض من الأعمال التي صنعت شهرتهم، فكرة جيدة- وإن لم تكن جديدة- فعّلها الماسترو عبد الرحمان العيادي في شكل حفل أطلق عليه اسم “أنغام في الذاكرة” قدّمه ضمن سهرات مهرجان قرطاج للسنة الماضية ولاقى به نجاحا معتبرا.

لكن جودة الفكرة لا تضمن دائما تواصل نجاحها اذا لم يقع تعهّدها وتجديدها وتطويرها بما يجب من جديّة وعمق وصرامة.
الواضح انه لم يقع احترام أيا من تلك الشروط، وعلى عكس ذلك، تغلّب عنصر السهولة والمحاباة في تحديد برنامج النسخة الثانية من “أنغام في الذاكرة” الذي قُدّم أمس على ركح مسرح قرطاج، فكانت النتيجة حفلا متواضعا لم يقدّم اضافة ولم يتقدّم ولو بخطوة نحو مصالحة الجماهير بتراث الأمس.

ما الذي يجمع بين علي اللواتي المثقف السيناريست وإن كتب بعض الأغاني، وبين المغني سليم دمّق الذي اعتزل الغناء قبل أن يقع إظهاره في نفس “أنغام في الذاكرة” للسنة الماضية، وبين شريف علوي الغير قابل للتصنيف، وبين عازف الفيولنسال الكبير حمادي غنية، وبين لطفي بوشناق الفنان الكبير خارج الرتبة؟

لا شيء غير عبارة “التكريم” الصالحة لحشو كل شيء. لنترك جانبا علي اللواتي الكاتب الذي يستحق فعلا التكريم ولكن ليس على ركح قرطاج حيث لم يعد فيه مجال للسماع والاستمتاع، فما الذي يجمع بين البقية؟
وماذا قدّم سليم دمق أو الشريف العلوي حتى يوضع على قدم المساواة مع فنان مجتهد و مثابر وذي مكانة عالمية مثل لطفي بوشناق؟

وذلك المسكين حمادي غنية عازف الفيولنسال ذي الموهبة الكبيرة الذي أُلقي به أمام جمهور حوّلته خيارات الادارة الثقافية من شعب هادىء الى شعب مهتزّ، من شعب سمّيع الى شعب أصم، من شعب يحسن الإصغاء الى شعب لا يحسن غير “تدوير الحزام”.
هذا الشعب أضاع أمس فرصة تاريخية للتعرّف الى أحد أهم عازفي إحدى أجمل الآلات الموسيقية في العالم. حمادي غنية تمت أمس التضحية به في صخب بنادير الفرقة الوطنية للموسيقى، وضوضاء آلاتها الكهربائية، وعباراتها اللحنية المتكررة المعادة.

كنّا ننتظر أكثر بكثير من عبد الرحمان العيادي الذي مثّل يوما أملا حقيقيا لتحقيق شيء آخر جميل في الموسيقى والغناء آلتونسيين. هل تداركته شيخوخة مبكرة وهو في أوج سن العطاء، أم غلبت عليه رغبة “البرجزة” والاستكراش؟
ما هكذا عرفناك يا ولد “للاّ الخميرية”.
الحفل تواصل مع الفنانة آية دغنوج وحسان الدوس الذين لما يكونا قادرين، بعد مرور لطفي بوشناق، على الارتقاء بمستوى حفل أريد له أن يكون استثنائيا لكنه لم يكن في النهاية عير عرض عادي مثلما نرى ونسمع طول الوقت في تلفزاتنا وإذاعاتنا.
والحقيقة ان حفل “أنغام في الذاكرة 2” كان كاشفا لحالة الاستنزاف التي تعيشها الثقافة التونسية اليوم وعجزها البيّن عن الإنتاج.
هذا فضلا عن الإبداع.
