
بقلم عبد الجليل المسعودي
تستقطب القمة الخامسة عشرة لمنظمة ل”بريكس” الملتئمة منذ أمس الثلاثاء بمدينة جوهانسبورغ بجمهورية جنوب إفريقيا، أنظار العالم وما ستتمخّض عنها أعمالها من قرارات لا سيما في ما يتعلق بقبول المترشحين-الكثيرين- لعضويتها، وبشروط الانتفاع بقروض صندوق هذه المنظمة.
“بريكس” والتي تجمع حاليا الخمس بلدان ذات الاقتصاديات الصاعدة الأهم في العالم، وهي الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، أصبحت لها قوّة جاذبية كبيرة مثلما يدلّ على ذلك عدد البلدان المترشحة لعضويتها والذي بلغ العشرين، منها الجزائر ومصر والسعودية وإيران وأثيوبيا والأرجنتين وفياتنام وبغلاديش وكوبا وغيرها…
لماذا هذه الجاذبية؟
لأن العالم عانى كفاية من الهيمنة الامريكو -الأوروبية وسئمها وأصبح يبحث عن تصوّر آخر وتمشٍّ مختلف يخرج به من سيطرة الغرب ومؤسساته الاقتصادية والمالية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، نحو عالم أكثر مساواة وعدالة. من هذا المنطلق فإن “بريكس” (المنتظر ان يتغير اسمها بعد انضمام دول أخرى) يمثل هذا الأمل لما يمكن ان يلعبه من دور ثقل موازٍ للمؤسسات الاقتصادية الغربية وابرزها دون شك مجموعة السبعة(G7) التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا.
وبالفعل فإن ل”بريكس” كل المؤهلات الموضوعية التي تجعل منها قوة موازنة قادرة على ممارسة تأثير حقيقي ومن إسماع صوتها على الساحة العالمية ومن إثبات، في النهاية، ان هناك سياسة أخرى ممكنة في العالم غير التي يفرضها الغرب ومؤسساته الاقتصادية والمالية، و التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. ومن تلك المؤهلات التي تعطي بُعدها وقوّتها ل”بريكس” انها تمثل 42% من سكان العالم و18% من حجم ثرواته. الغرب الأمريكو-أوروبي يهيمن على باقي العالم بفضل-وباسم- الليبرالية الديمقراطية معتمدا في ذلك على اقتصادٍ مهيمن يجسّده الدولار الذي تتم به جلّ المعاملات التجارية في العالم وخصوصا منها بيع منتجات الطاقة.
من هنا يكون الهدف الاول ل”بريكس” هو التقليص من هيمنة الورقة الخضراء وذلك عبر تشجيع التبادل بين بلدان المنظمة بالعملات المحلية أو ببعث وحدة نقديّة جديدة على غرار ما قامت به دول الإتحاد الأوروبي في مطلع سنة 2002 حين أنشأت الأورو.
تسريح العالم من هيمنة الدولار، هو تسريح العالم من سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية. وهو بالنتيجة تحقيق بناء عالم متعدد الأقطاب، حلم الشعوب منذ سقوط الكتلة الشرقية بانفجار الإتحاد السوفياتي سنة 1991. اليوم يبدو الحلم ممكنا، بل ولعلّه أقرب في جوهانسبورغ من اي وقت مضى.
ولكن…
اذا نظرنا الى مشهد الدول المكونة ل”بريكس” فإننا نلاحظ ان ما يجمعها هو رفضها المعلن للاصطفاف، وهو أمر منطقي اذا اعتبرنا أن الدولتين الأكبر في هذه المنظمة، الصين والهند، هما من المؤسسين الرئيسيين لحركة عدم الانحياز. وهذا ما يعطي ل”بريكس” المرشحة للتوسع بُعدا اقتصاديا وفضاءا يبحث فيه كل عضو عن مصلحته المباشرة بعيدا عن املاءات المؤسسات الغربية.
ولكن كيف يمكن تجنب هيمنة دون السقوط في أخرى؟ كيف يمكن تفادي الاصطفاف وراء الصين التي تخوض حربا اقتصادية معلنة مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ وأي موقف من روسيا في حربها ضد اوكرانيا، اذا كانت روسيا الدولة المؤسسة والمأثّرة في “بريكس”؟
أسئلة كثيرة تُطرح، لكن الواضح أن إرادة التخلّص من الهيمنة الغربية هي اليوم أقوى عند الشعوب من كل ما يمكن ان يطرحه الانضمام لهذه المنظمة التي لا يخفى على أحد انها كتلة غير متجانسة سياسيا وتقطعها طموحات متباينة، ولربما متصادمة، بين الصين ثاني أقوى اقتصاد في العالم والهند القوة الاقتصادية الخامسة، والذين وقفتا في أكثر من مرة على شفا حرب مدمرة.
“الوحدة بين الشعوب، كما قال أحد آباء الإتحاد الأوروبي جون موناي، ليست طبيعية، لكن الحاجة تفرضها، والمصلحة تضمن دوامها”. مصلحة الشعوب اليوم هي في عالم أكثر مساواة وعدلا، وما من شك ان “بريكس” تمثل سبيلا مميّزا إلى تحقيق هذا الحلم وفرصةً تاريخية لتغيير واقع عالمي جائر وظالم طال امده. أما الاختلافات والمصاعب فإن ضغط المصالح سيتكفل بتسويتها.
