
بقلم عبد الجليل المسعودي
هل تنجح “جبهة الجمهورية” التي تشكلت على خلفية نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية من منع حدوث الكارثة وحصول حزب مارين لوبان، على الأغلبية المطلقة في البرلمان الفرنسي؟
هذا ما يأمله الفرنسيون الذين أقبلوا هذا اليوم على صناديق الاقتراع، وكذلك الأوروبيون وكثير من شعوب العالم، وكلهم يحرّكهم نفس السؤال: ماذا لو يحوّل حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف الأغلبية التي حصل عليها في الدور الأول، الى أغلبية مطلقة تفتح له أبواب مراكز الحكم، بدءًا بباب الوزارة الأولى، لتنفيذ سياسته الرجعيّة والعنصرية؟
فرنسا القوة الاقتصادية السادسة في العالم، عضو مجلس الأمن، بلاد الثورات والانوار، الديمقراطية الراسخة، مهد حقوق الإنسان، مؤسِسة الإتحاد الأوروبي…فرنسا يحكمها متطرّفون يستخدمون المهاجرين المسلمين والأفارقة كبش فداء لكسب الأنصار واستمالة الناخبين؟
السيناريو فعلا كارثي ولعلّه حتميّ، وأفضل ما يمكن ان تحققه جبهة الجمهورية هو التخفيف من حدّة هذه الكارثة المعلَنة.
ولكن، منع حزب لوبان اليميني المتطرّف من الضّفر بالاغلبية المطلقة في البرلمان لن يحلّ مشكلة فرنسا. لأنه يتحتّم عندها تكوين تحالف سياسي يقف في وجه “التجمّع الوطني” ويحكم على أساس برنامج مشترك مثلما هو الشأن في الجارة ألمانيا. غير أن فرنسا ليست لها تقاليد ألمانيا، والحياة السياسية فيها مبنيّة على تمثيليات حزبية ذات توجهات متعارضة واحيانا متناقضة. فهل هذا يعني أن فرنسا اليوم أمام خيارين كلاهما مرّ: اما ان يحكمها متطرفون عنصريون أو أن تصبح غير قابلة للحكم؟ الخوف ان يكون ذلك كذلك.
والحقيقة أن نُخب فرنسا، سياسيين ومثقفين، يتحملون مسؤولية ما آلت إليه بلادهم اليوم. فلقد وقفوا، طوال السنين الأخيرة موقف المتفرج أمام تصاعد خطاب اليمين المتطرف، ثم باركوه لحسابات انتخابوية معلومة أو للتغطية عن عجزهم على تقديم بدائل ومشاريع جديدة. والنتيجة ان أخطر ما تعانيه فرنسا وما ستعانيه لسنوات أخرى طويلة، هو تحرير الخطاب العنصري المشرّع للإعلام عنصري مكشوف، ولانتخابات عنصرية دون مركّبات، ولجرائم عنصرية موصوفة.
إنها،في نهاية المطاف، صورة بلد كبير تتشوّه، وثقافته يصيبها الفساد والانحطاط، ومكانته في العالم تتقلص وتتهاوى.
