
العبارة الأولى تصدمك إذا قصدت إدارة بأنّ “المسؤول في اجتماع”. وتلك أليق من عبارة “ارجع غدوة”. وماذا تستطيع أن تفعل إن فهمت أنّه غير موجود أصلا، وأنّ الوثيقة التي تنتظر إمضاءه من جملة الأوراق المطلوبة لملف ترشّح سيتجاوزها الأجل المحدّد وتفوّت عليك فرصة مصلحة.
والعبارة الثانية تحبط عزمك بأنّه لا بدّ من “تكوين لجنة” وانتظار تقرير اللجنة كالتحقيق في حادث أو مطلب رخصة. واللجنة تستجمع عدّة ملفّات للنظر مرّة في الشهر أو في الثلاثة أشهر أو عند الاقتضاء. وأيّ موضوع أريد له أن يقبر وأيّ ملفّ أريد له أن يغلق إنّما تكوّن لأجله لجنة، ولا ينتظر منها تقرير لكشف حقائق أو لاستخراج نتائج أو لاقتراح حلول.
والعبارة الثالثة تعوّم المسؤوليّة بأنّها “جماعيّة” دون تحديد طرف معيّن على عادة عرب الجاهليّة في هدر دم القاتل ثأرا للقتيل. وتلك عبارة المسؤول كلّما شاء التخلّص من المسؤوليّة. فالنظافة مسؤوليّة الجميع أي كالكرة التي ترمي بها البلديّة إلى وزارة البيئة، وهذه ترمي بها إلى وزارة السياحة، وهذه تلحقها بوزارة التجهيز. ومن إدارة إلى أخرى تخطئ النظافة العنوان وتتفاقم الكارثة بعد ضياع الوقت عندما كان بالإمكان السيطرة على الوضع قبل أن تسري النار في الهشيم.
والعبارة الرابعة هي “إن شاء الله” التي أزيحت عن معناها السليم فصارت تعني التواكل بدل التوكّل، والشكّ عوض اليقين، والتكاسل في محلّ العزم. كما أضحت جارية على كلّ لسان في أيّ أمر وزمان ومكان. فاسأل على سبيل التجربة شخصا عن اسمه فسيقول لك على سبيل المثال: ” صالح إن شاء الله”. تلك، للأسف، عنوان التهرّب من المسؤوليّة على معنى أنّ الله هو الذي لم يشأ. وإردافها يكون بعبارات “الله غالب” و”على مراد الله” و”ما سهّلتش القدرة”… إلخ من المبرّرات للعجز والتقصير واللاّمبالاة في جميع الأمور، صغيرها وكبيرها.
وإذا كانت عبارة “إن شاء الله لا باس” مقبولة ثقة في رحمة الله عند الشدّة كالوعكة الصحّيّة والضائقة الماليّة فإنّها غير مقنعة وحدها ما لم تقترن برؤية وبرنامج وتخطيط وتنسيق عند الأزمة كالاحتباس الحراري وتناقص الموارد المائيّة واستفحال البطالة والهجرة وتدنّي القدرة الشرائيّة ومختلف طرائق الفساد. وفي هذه المسائل إنّما يكون التعويل على الدرس والتفكير لا على الحظّ والصدف والمقادير.
وأمّا العبارة الخامسة فهي ” قلّة الإمكانيات” على معنى أنّ المال هو قوام الأعمال. والتهمة موجّهة في الدرجة الأولى إلى الميزانيّة وما وراءها من قروض معطّلة أو منح مشروطة على حساب السيادة الوطنيّة وطبيعة المجتمع من حيث شخصيّته ومبادئه ومكتسباته.
وأمّا العبارة السادسة فهي” اختلاف الأذواق” لتبرير أزمة الذوق وتمرير الرداءة عبر الإذاعات والمهرجانات. والحقّ أنّ الجمال قيمة متميّزة بين القيم الإنسانيّة ومخصوصة بعلم يخضع للعقل والمنطق، ومن مبادئه التناظر في الهندسة المعماريّة كما هو في المخلوقات بدءا بجسم الإنسان. وكذلك الانسجام والانتظام كما هي الألحان الراقية والأغاني الخالدة بدل النشاز والفوضى. وما عدا ذلك فهو القبح المنكور والسوء المهجور.
والعبارة السابعة والأخيرة والخطيرة عبارة “نحن بخير، وغدوة خير”. وما نحن بخير مع فقدان الأمل. والأفضل أن نعترف بأنّنا نعيش أسوأ فترات التاريخ على الصعيدين الوطني والعالمي ونرى من مظاهر العنف وأنواع الجرائم في حقّ الأفراد والجماعات ما لا يقبله العقل والضمير بعد أن سقطت الأقنعة عن منظّمات وجمعيّات متشدّقة بالديمقراطيّة ومتسلّلة باسم حقوق الإنسان. إن هي إلاّ الاستعمار في ثوب جديد مخاتل وسعي خبيث مخادع.
والحلّ لرفع التحدّيات إنّما يكون بالعمل عكس تلك العبارات المضلّلات أي بالإخلاص للوطن والتضحية للمصلحة العامّة. وكلّ مسؤول عن واجبه في موقعه من المنظّف والعامل والممرّض والمربّي والمهندس والمراقب والمستثمر إلى الوالي والوزير والقاضي والرئيس. “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” (التوبة: 105).
