
عندما بلغني عن طريق رسالة هاتفيّة قصيرة نعي صديقي محمّد الصالح الرصّاع في غرّة ديسمبر 2025 في التاسعة والنصف ليلا ساعة تأهّبي للنوم احترت حيرة العاجز عن الفعل والقول فما دريت إلى أيّ عنوان أتوجّه وبمن اتّصل وامرأته الفاضلة في حالة نفسيّة لا تقدر على تقبّل التعزيةحسب ظنّي. وحالتي الصحّيّة أنا أيضا تمنعني من تشييع الجنائز وأداء الواجب عكس ما كنت وكانت. وحسبي الترحّم عليه في الذكر والصلاة وتعزية نفسي في أخ كريم، ومؤلّف مساهم في تأريخ السينما التونسيّة بكتاب باللغة الفرنسيّة التي يتميّز عن مدرّسيها بإتقانها، وناشر مجتهد بتفان وعناد لأجل الكتاب التونسيّ بعد نضال وظيفيّ كمندوب ثقافيّ بين ولايات الشمال الغربيّ وهو ابن جندوبة البارّ بمولده وموطنه ثمّ بجهته ووطنه ورافع رايتها في أصعب ميدان : الثقافة والكتاب.
وفي هذيْن الميدانين عرفته منذ خمس وأربعين سنة، أي قرابة نصف قرن، مذ كنت أـستاذا بالكاف وكان مندوبا بها. وكان ذلك في إطار نادي الأدب وبالأخصّ في مناسبات التبادل الثقافي بين الولايات المتجاورة على الحدود التونسيّة الجزائريّة لتمثيل الكاف في قسنطينة ثمّ في تبسّة. وكان لذلك صدى في الصحافة الشقيقة بحجم الصور الشاهدة في ألبومي.
وأشدّ حماسه، رحمه الله، كان لكامل الإقليم المهمّش إذ تجلّى ذلك، فيما يخصّني، في نشر مؤلّفاتي التي شملت الجهة بالجملة والتفصيل وفي تنظيم لقاءات لعرضها، كما تجلّى في دعوتي لتكريم محمّد اليعلاوي أحد العظماء الذين فقدتهم البلاد. فقد تكلّمت عنه، رحمه الله، في حضرته بعين دراهم بقدر ما كتب عنّي في تقديمه لاثنين من كتبي ذات العلاقة بالجهة.
وخسارته، رحمه الله، كناشر قليل الربح من سلعة بائرة في شعب أكثره، للأسف، جاهل لا يعنيه الكتاب والفكر والأدب بقدر ما يعنيه الرقص والضرب، خسارة جسيمة لتونس وللثقافة العربيّة انطلاقا منها عبر الكتاب ومتعلّقاته من البحث والتأليف إبداعا وترجمة.
وإحياء ذكراه بأربعينيّة تُنسى بعد أربعة أيّام لا تفي بحقّه علينا جميعا نظرا إلى فضله على المؤلّف والقارئ والمطبعيّ والمكتبيّ وكذلك على المثقّف بصفة عامّة. وإنّما الواجب علينا وعلى المسؤولين والنافذين يقتضي من أضعف الإيمان، إطلاق اسمه على مؤسّسة ثقافيّة محترمة كمركّب ثقافيّ أو مكتبة متعدّدة الوسائط من توابع ولاية جندوبة أو جاراتها أسوة بما حصل للمرحوم عمر السعيدي. ولاتّحاد الناشرين، والمرحوم أحد مؤسّسيه المجاهدين، مبادرته الخاصّة وبطريقته في حقّ أعضائه.
ذاك أضعف الإيمان، كما يقال، فأمّا إذا قوي فوجب على وزارة الإشراف العليمة بمشاكل الكتاب نشرا وتوزيعا وبعوائق القراءة والمطالعة أن تعمل بالفعل والجدّ لا بالمؤاربة والوعد على إنقاذ الكتاب وفق مطالب الناشرين وتوصيّات اللجان المكلّفة بالموضوع.
لقد دقّ ناقوس الخطر المهدّد لا لصناعة ثقافيّة معزولة بل للتعليم ولمجال من الاقتصاد الوطني باعتبار الكتاب عنصرا ضمن منظومة تنمويّة. والتنمية في تونس منذ الاستقلال مادّية وقيميّة، هدفها بناء الإنسان وتأهيل الجيل الجديد للمسؤوليّة بل للأمانة المفديّة بأرواح الشهداء حتّى تبقى تونس دولة منيعة أبد الدهر، لا عيش فيها لمن خانها من داخلها أو من خارجها. وكم أنا معتزّ ببلادي الأبيّة رغم ظروفها العسيرة نتيجة حكم فُسّادها.
