
’’الحرب نبدأها عندما نريد وننهيها عندما نستطيع”
نيكولاس ماكيافالّي
إلّا إذا كانت لعبة عبثيّة-وهي أبعد عن ذلك بكثير- فإن الحرب التي دامت أربعين يوما أرخى فيها دونالد ترامب الحبل لآلته العسكريّة تقتّل وتدمّر، وانتهت إلى هدنة هشّة بخمسة عشرة يوما، تطرح هذه الأسئلة البديهية والحارقة: لماذا؟ لأي غرض؟ ولأي نتيجة.
يوم أعلن على إيران “غضبه الملحمي”، في ذات الوقت الذي كانت فيه جلسات التّفاوض بين ديبلوماسيي بلده ونظرائهم الإيرانيين في جينيف بالكاد قد انتهت، كان دونالد ترامب يوهم نفسه وحلفائه أن الحرب لن تعدو أن تكون نزهة سياحيّة قد تدوم ثلاثة أو أربعة أيام. اغتال ترامب وشريكه نتنياهو القادة الإيرانيين. قتّلا الأطفال والمدنيين. هدّما المنشآت الإقتصادية والعلميّة. وزاد ترامب فأهان الشّعب الإيراني وشتمه بأقذع الأوصاف وهدد بمحو حضارته العريقة…
وفي النهاية؟
*****
لم تكسب أمريكيا الحرب. لم تنهزم إيران.
الإنتصار الوحيد الذي يمكن أن يتبجّح بالخروج به ترامب من هذه الحرب هو فتح مضيق هرمز… الذي كان مفتوحا قبل أن تبدأ الحرب!
أما الخسائر فعديدة. وأهمّها ليست المادّية وإن كانت ثقيلة، إذ تم إهدار المليارات في الذخائر التي استُعملت، والطائرات التي تمّ إسقاطها، والمعدّات التي استُهدفت في القواعد العسكرية، وكل ذلك دون الحديث عن الجنود الذين قتلوا ولم يذكر عددهم. إن كانت نزهة سياحية فهي باهظة جدّا !
إن الخسارة الأمريكية يتكبّدها أولا الجيش الذي أكدت الحرب أنه رغم قوّته وتطوّر عتاده، فهو ليس بالمنيع ولا بالذي لا يُقهر.
*****
ويبقى الخاسر الأكبر دونالد ترامب، الذي تضررت صورته تضررا كبيرا بعد أن ثبت جهله وتأكّد غروره وبان استهتاره. فقد ثقة الجميع، وقد تصبح سلطته مهددة لا سيما في أفق انتخابات نصف المدة في نهاية الخريف المقبل.
في المقابل فإنه يمكن القول إن إيران حققت أكثر مما كانت تخطط له. فلقد تعزز التفاف الإيرانيين حول نظامهم الذي تعرّض إلى اهتزازات متتالية في الفترات التي سبقت الحرب، وتمتّنت سلطة الحرس الثوري الذي أصبح المتحكّم المباشر في مضيق هرمز، وتمّ مزيد إضفاء أكثر شرعيّة على حقّ البلاد في تخصيب اليورانيوم لاستغلاله سلميا-هذا فضلا عن الإحتفاظ بمخزونها عالي التّخصيب والبالغ 400 كلغ-، وزاد تطوير ترسانة الصواريخ الباليستيّة التي تمثّل العمود الفقري للقوّة العسكريّة الإيرانية…كل ذلك دون التغافل عن التعاطف-وأحيانا التضامن-الذي حظي به الإيرانيون من أغلب الدول والشّعوب في العالم بمن فيها تلك التي تعدّ حليفة تاريخيّة للولايات المتّحدة والتي لم تقبل بهذه المغامرة الحربيّة الفاقدة للأهداف والشرعيّة.
*****
ونعود إلى السؤال: لماذا شنّ ترامب هذه الحرب على إيران؟
العُجب والطبيعة الإنبريالية وجنون العظمة لا تكفي كلّها لتفسير اندفاع الرئيس الأميركي في طريق حرب غير محسوبة العواقب. وقد يكون فقط اتباعه الأعمى وأمتثاله الكامل لبنيامين نتياهو هو على الأرجح الدافع لانخراطه في الحرب. فكم حَلُم رئيس الحكومة الإسرائيلية بساعة بدء الهجوم الأمريكي على إيران، غير أن حلمه كان يُقابَل بالرّفض في كل مرة…إلى أن حلّ دوناد ترامب.
إن حرب الولايات المتحدة على إيران هي حرب دونالد ترامب. وحرب دونالد ترامب على إيران هي حرب نتنياهو. الكلب يحرّك ذيله، ولكن يحدث أن يكون الذّيل هو الذي يحرّك الكلب .
لأي هدف
