
قبل إحداث كتابة الدولة للشؤون الثقافية في 11 ديسمبر 1961 كانت البلديات والجماعات المحلية التي يشرف عليها الفرنسيون منذ بداية الاستعمار عن طريق مفوض عام للحكومة، وكذلك الجمعيات الأهلية، هي التي تنظم الحياة الجمعياتية وذلك بموجب قانون 1901 للجمعيات ثم قانون 1905 الذي فصل بين الديني cultuel والثقافي culturel.
وبمقتضى هذا القانون الفرنسي الذي كان يطبق بتونس تمكنت الجاليات المقيمة أن تؤسس الجمعيات الفكرية والفنية وأن تنشط في نطاق الهواية بفضل المنح المرصودة لها من الهيئات البلدية وإيرادات العروض التي تقدمها في القاعات المعدة لهذا الغرض.
وقد كان للبلدية دور أساسي في تنمية الحياة الفنية في ربوعنا وإطلاع المواطنين على أنواع جديدة من فنون الفرجة لم تكن معروفة لديهم إلا في شكلها البدائي البسيط.
أول مسرح بلدي بالعاصمة شيّد في شارع فرنسا مكان بنك تونس اليوم قام على أنقاض مسرح باراديزو Paradiso الذي احترقت قاعته الخشبية الأصلية بالكامل فأعيد بناءه من الصلب وحوّلته البلدية إلى قاعة تابعة لها وأوكلت للممثل Jaquelet الشهير باسم Donchet إدارته والإشراف على اختيار العروض وبرمجتها لمدة ثلاثة عشر سنة متتالية من عام 1890 حتى افتتاح المسرح البلدي الجديد.
كان الموسم يدوم خمسه أشهر تقدم خلاله مختلف عروض الأوبرا والأوبرا كوميك والأبريت الفرنسية بمصاحبة أوركسترا مختصر بما يناسب حجم القاعة يتركب من 25 عازفا وجوقة إنشاد منتدبون كلهم بصفة قارة، كما كان لفرقة Comédie française حضور متميز من خلال مسرحات التراجيدي والكوميدي الكلاسيكية الشهيرة.
وكان لفرق الأوبرا الإيطالية بدورها موسم غنائي saison lyrique يدوم ستة أسابيع تؤمنه الفرقة القارة وجوقة المنشدين مدعومة بالمغنين المنفردين المتعاقد معهم وبعضهم من إيطاليا وفرنسا.
وجريا على العادة المعمول بها في أماكن الفرجة آنذاك كان ينظم آخر الموسم سهرة يخصص ريعها لفائدة الفنانين لأن أجورهم كانت زهيدة.
وعندما أنشأت بلدية تونس المسرح البلدي الجديد عام 1902 تعاقدت مع فرقة موسيقية قارة لمصاحبة عروض الأوبرا الأجنبية تتركب من 45 عازفا وفريق رقص يتكون من 19 راقصة وجوقة إنشاد تتألف من 35 عنصرا.
والمسرح الحالي هو الصيغة النهائية التي تم تدشينها يوم 4 جانفي 1911 بعد أن أقرت البلدية غلقه طوال سنتي 1909-1910 لإجراء إصلاحات شملت بالخصوص القاعة وأروقة الاستقبال والتزويق الداخلي.
وبالمناسبة أحالت الفنانين المتعاقد معهم إلى مسرح Rossini سينما Palace حاليا التابع للجالية الإيطالية مقابل مضاعفة المنحة المرصودة له من عشرة آلاف إلى عشرين ألف فرنك حتى لا يبقوا بلا شغل ولا أجر.
وينص الاتفاق المبرم بين البلدية ومسرح روسيني على أن يتضمن البرنامج سلسلة من 32 عرضا للأوبرا والأوبرا كوميك في ظرف شهرين أي بمعدل أربعة عروض جديدة في الأسبوع، وهو عدد يبدو هام جدا مقارنة بما يجري اليوم بالمسرح البلدي.
ظل عمل الأوركسترا يقتصر على مصاحبة عروض المسرح الغنائي من بؤرة المسرح حتى عام 1936 حيث أقرت البلدية بعث مركز للموسيقى centre de musique يتولى تنظيم الحياة الموسيقية بالمدينة ويضم ثلاث مجموعات: الأوركسترا السيمفوني البلدي OSM وجوقة الإنشاد المختلطة chorale mixte ومجموعة موسيقى الحجرة musique de chambre وذلك قصد “تحسين الذوق الفني للسكان” (كذا في محضر جلسة المجلس البلدي).
ومنذ بداياتها (1938) صارت الإذاعة تنقل مباشرة حفلات الأوركسترا الأسبوعية من قاعة المسرح البلدي. والمهم في كل هذا أن العروض كانت في البدء مجانية أمام حضور محتشم ثم صارت بمقابل وأمام جمهور كثيف من الطلبة والسميعين يأتون ليستفيدوا من حصص تحاليل المؤلفات الموسيقية audition commentée التي يقدمها قائد الأوركسترا ومدير مركز الموسيقى البلدي.
ولا يزال سكان المدينة يذكرون الحفلات التي نظمتها البلدية عام 1951-52 ودعت إليها الموسيقار فريد الأطرش والراقصة سامية جمال وهما في عز شهرتهما كما بتذكر أبناء جيلنا الموسم الغنائي الإيطالي الذي ينتظم كل سنة بالمسرح البلدي وتقدم خلاله عروض الأوبرا بفرق إيطالية ومصاحبة الأوركسترا البلدي بقيادات متعددة وكذلك العروض الموسيقية التي يقدمها للشغوفين بالموسيقى العالمية.
وقد استمر هذا النسق من النشاط الراقي حتى أواسط ستينات القرن الماضي لما قرر أصحاب العقول المتعفنة تعطيله بدعوى أنه ليس تونسيا ومن مخلفات الاستعمار. لكنهم عادوا إليه بعد ذلك بمدة قصيرة بدعوى التفتح على الثقافات الأخرى.
فإلى أين هم ذاهبون إن شاء الله ؟
