
•رحل أمس عن عالمنا هذا الفنان المسرحي أحمد الكشباطي الذي أفنى عمرا طويلا في خدمة المسرح في مدينة باجة تأليفا وإخراحا وتمثيلا، وترك فراغا كبيرا لن يكون من السهل سدّه.
◾️بقلم عبد الجليل المسعودي
عندما تقول المسرح في مدينة باجة فأنت بالضرورة تقول فرقة لحبيب الحداد، وعندما تقول فرقة الحبيب الحداد تقول لا محالة أحمد الكشباطي.
لقد اقترن اسم احمد الكشباطي بهذه الفرقة الهاوية، وبالتّوسيع، بالحركة المسرحية ككل في مدينة باجة.
كانت بداية “سيد أحمد”، كما كان يحلو لنا ان نناديه، في الفرقة المسرحية القارة بالكاف. وكان بروز اسمه على الساحة بفضل نصّ مسرحية “كل فول لاهي في نواره” سنة 1973 التي أخرجها عبد الله رواشد والتي لاقت نجاحا جماهيريا كبيرا في تونس وفي الجزائر حيث عرضت في عدة مسارح، والتي تم إيقافها في نهاية عرضها الثمانين في السنة نفسها.
هذه المسرحية كانت حاسمة في مسيرة احمد الكشباطي. فلقد شحذت وعيه بأهمية الكلمة وقدرتها على النفاذ الى جماهير باحثة عن نقاط دالّة وعلامات ثابتة في مجتمع الثمانينات الذي كان يعيش أزمات متلاحقة وتغييرات عميقة ومتسارعة.
أسس الكشباطي مع مجموعة من رفاقه فرقة الحبيب الحداد وانخرطوا، تحت إدارة المخرج إبراهيم مستورة، ضمن ديناميكيّة الكتابة الجماعية لنصوص مبتكرة أو مقتبسة اتصلت كلها بالواقع الراهن لينتجوا أعمالا جيّدة في عمومها، متقنة الصياغة في أغلبها، تمزج جميعها بسلاسة بين نقد عميق لتفاصيل الحياة اليومية، ومرجعيات التراث القيمي، والحسّ الفكاهي الرقيق.
“جزيرة النحاس”، “مسافر زاده الخيال”، “باب الحمار والثّور”…تلك بعض من عناوين أعمال كثيرة علقت بالذاكرة واقترنت باسم الكشباطي الذي يبقى من أفضل مواهب أبناء جيله بفضل حضوره الملفت على الركح، وقدرته الكبيرة على الإقناع، وتذوّقه للكلمة العربيّة، وامتلاكه لسجلّ واسع من التعابير ينتقل بين مسافاتها بسهولة عجيبة.
الكشباطي وهب عمره للمسرح ولم يكن يلتذ بتنفّس هواء أحسن له من هواء أركاح المسرح. إنك تحسبه لم يولد الّا للمسرح، وهو اليوم بعد وفاته جدير بأكثر من تكريم، لعل اولاها ان يُطلق اسمه على مسرح الجيب الملاصق لمقر اللجنة الثقافية السابق والذي أداره لسنوات وجمع فيه بين ذاكرة مدينته وشغف أهلها بالمسرح.
وللأمانة نقول إن احمد الكشباطي أعطى حروفها الذهبيّة للحركة المسرحية الهاوية بمدينة باجة حتى تحوّل اسمه الى الشجرة التي غطت، وما تزال، غابة النشاط المسرحي بالجهة. ولعل الوقت قد حان لتنتقل الحركة المسرحية إلى مستوى احترافي أعلى على قدر ما تستحقه باجة العريقة والغنيّة من اهتمام، وعلى قدر ما تعجّ به من مواهب وإمكانات بشريّة. وقد يكون ذلك التكريم الأفضل لفقيد المسرح أحمد الكشباطي.
