منذ رفع المهرجان شعار “المسرح والمجتمع” بسليانة كانت إدارته تعلم جيّدا أن الأمر لن يكون يسيرا بالمرّة فالإمكانيات شحيحة، لكن الأحلام كانت كبيرة… أحلام تكبر من دورة لأخرى رغم تأرجح الموارد المادية وصعوبة تجسيد تلك الأحلام على أرض الواقع، وفي ظلّ هذه الظروف جاءت الدورة الخامسة متحدّية ومصمّمة على إشعال تلك الشمعة لإنارة النّفق في الفترة الممتدة من 21إلى 28 جوان…
التحدّي الأول كان في اختيار فضاء الافتتاح الذي كان في قرية صغيرة نائية اسمها “العطايات” تبعد عشرات الكيلومترات عن مناطق العمران، هناك… في تلك البقعة المحاطة بالحقول حيث الأصفر الذهبي يمتدّ على مرأى البصر شاهدا على نهايات موسم الحصاد، ينبعث ضوء بدا شحيحا ونحن على متن سيّارة تطوي المسافة شاقّة نسيما معطّرا بعبق الأرض والقمح الطازج، اقترب الضوء كاشفا عن مسرح الافتتاح الذي كان فضاء مرتجلا فقيرا من كل مباهج الاحتفال، أسلاك غليظة توصل الكهرباء المستعار من أحد البيوت القريبة لإنارة المكان… على اليسار اصطفّ جمهور لا يمكن تصنيفه، شكّل لوحة فسيسفساء منسجمة في اختلافها الرهيف بين الأعمار والمستويات والذائقة الفنيّة، في الصدارة أربع شابّات تكفّلن بإعطاء إشارة انطلاق الدورة الخامسة بقيادة مريم التارزي التي شقّ صوتها القويّ والثابت سكون القرية النائمة وأخرس كلابا بعيدة كانت تنبح في جوقة بلا مايسترو احتجاجا غريزيّا على متطفّلين اقتحموا فضاءها الطبيعي… مريم التارزي قدّمت وصلة فنيّة راوحت بين الطربي والشعبي والصوفي تحت سماء سطعت نجومها بوضوح وبهجة وبعثت في المكان ما يشبه السّحر أو لعلّه كذلك لأن بعض النسوة تخلصن من خجلهنّ ونشأتهنّ في بيئة محافظة وسمحن لأجسادهنّ بالانسياب مع الموسيقى في لحظات نشوة لا تنسى.

العطايات… حين تحوّل ضوء مستعار إلى مسرح
ثمّ كان المسرح… المسرح الذي لم نألفه ولا نقبل في الغالب أن يتنازل على أهمّ مكوناته وأدواته (الصوت، الإضاءة المدروسة، السينوغرافيا…) لكنّه كان، بذلك السلك الكهربائي المستعار من البيت المجاور وذلك اللوح الخشبي المتهالك ـ الذي يشغل مكان الستارةـ والأهمّ من كلّ هذا تلك الإرادة العميقة والإيمان الراسخ والروح الشغوفة بعشق الفن ودوره في التأسيس والتنوير والتغير…
هناك، في قرية نائية اسمها “العطايات” التي اكتشف الفريق الصحفي لأول مرة وجودها على خارطة البلاد بدأ العرض المسرحي وهو جوهر الافتتاح وفقرته الأساسيّة في تظاهرة “المسرح والمجتمع” حاملا عنوان “الموت” في إخراج للازهر الفرحاني وأداء لكل من نور الدين الهمامي (صاحب النص) وعبد السلام بوزيدي، فريق لم تعطّله النقائص على النقائص على أداء وظيفة المسرح حيث قدّم عرضا مثاليّا ـ بتلك المقاييس ـ موغلا في معاني الرحلة الإنسانية وتجليّتها بعثراتها ونجاحاتها وأوجاعها وخساراتها وانتصاراتها سواء كانت حقيقيّة أو متوهّمة…تنتهي في المقبرة حيث تعيش شخصيتان (شاب وكهل) على هامش الموت والحياة تعملان على دفن الموتى والعيش على الصدقات، هناك تُطرح الأسئلة الوجوديّة والمعاني التي تحفر في الوجدان مشكّلة حيرة في تحديد معنى الوجود كعنصر مادي يأكل ويشرب ويتكاثر أم كعنصر فاعل يبحث عن القيم النبيلة ويصارع من أجل تحقيقها… كثيرة هي الأسئلة التي أثارها عرض الديودراما “الموت” في شكل كوميديا سوداء تلامس انسانيّتنا الهشّة في واقع اجتماعي سياسي اقتصادي فقد بوصلته منذ أكثر من عقد.
كان الزمن يقارب منتصف الليل في سكون بعيد عن كلّ شيء… هناك كان المسرح والحضور فقط عنصران شكّلا معالم افتتاح مهرجان كسر كلّ القواعد، وكان منظّموه يتابعون تلك الوجوه والعيون لجمهور اتجهت كلّ حواسّه لتدبّر المعاني والرسائل وفكّ شيفرات النصّ المسرحي وما خفي في حواراته…
“يكفي أن يعبر شخص فضاء خاليا بينما يشاهد شخص أخر… ليبدأ المسرح” عبارة قالها بيتر بروك ليختصر فكرة تؤكّد أن المسرح لا يبدأ بالإمكانيّات الضخمة وإنما بالإنسان واللقاء.
في زمن أصبحت الثقافة تُقاس بحجم الميزانيات وعدد الضيوف وقدرة الأضواء على منح فضاءات العرض أبعادا ثلاثيّة…. يثبت هذا المهرجان “المسرح والمجتمع” أن الرهان الحقيقي يظل رهين الفكرة والإيمان بها فحين تجد المبادرات الثقافية من يُؤمن برسالتها يصبح المسرح أكثر من مجرّد عروض تُشاهد وإنما فعلا مدنيّا يرسّ قيم الحوار ويوقظ الأسئلة ويعيد وصل الإنسان بمحيطه وذاته، ولعلّ هذا الرصيد الأثمن الذي يراكمه مهرجان “المسرح والمجتمع” من دورة إلى أخرى كفيلا بأن يزرع في ربوع مدينة سليانة البعيدة ـ بسنابلها الشامخة التي انحنت تواضعا أمام اقتحام الفنّ فضاءها الطبيعي ـ بذورا كثيرة قادرة على صناعة ثقافة الغد بلغة تنتمي إلى عصرها وتنسجم مع محيطها.
لم يكتف المهرجان بذلك الافتتاح المتفرّد بل حرص عل ترجمة معنى توجّه “المسرح والمجتمع” من خلال برمجة عروض موسيقيّة يوميّة أمام فضاء المركب الثقافي بسليانة حيث تنساب الموسيقى في الشارع العريض وتوقف العابرين للمتابعة الاكتشاف… موسيقى أعادت قراءة الموروث الصوفي برؤية جمالية حديثة وتوزيع موسيقي عصري مشكّلة باقة من التجارب الفنيّة المختلفة سواء تلك التي قدّمها نضال اليحياوي أو سيف الدين معيوف أو نورهان الهداوي أو مجموعة “جذب” وغيرها من العروض التي أحدثت إيقاعا وحركيّة غير مألوفة في المكان.
في دورته الخامسة برمج “مهرجان المسرح والمجتمع” عرضا خاصّا بجمهور الأطفال “كتاب علاء الدين” لمختار الوزير ومجموعة من العروض الخاصّة بالكهول وهي أعمال رسّخت حضورها في المشهد الثقافي التونسي والعربي وخلقت جدلا واسعا في طرحها لأسئلة حارقة تساءل المجتمع والسلطة وتضع الاصبع على مواطن الداء بدقّة جرّاح وحساسيّة مبدع، فكان لجمهور سليانة الوفيّ للفرجة مواعيد يوميّة مع الخشبة ” هوما” لسيرين قنون و”الهاربات” لوفاء الطبوبي و”رار” لعز الدين بشير و”اعتراف” لمحمد علي سعيد التي ختمت فعاليات الدورة الخامسة للمهرجان.
“المسرح والمجتمع” مهرجان تأسس على أهداف ثقافية ورهانات فكرية امن بها منظموه واستمرّ رغم تعثّراته المادية وقلّة إمكانياته ـ علاوة على تقديم كل العروض مجانا ـ يحارب العجز والاستسلام ليوقد شمعة في نفق مظلم وهو برأينا ما يجعل منه تظاهرة تستحقّ الدعم المطلق ولفتة عاجلة من قبل وزارة الإشراف ليواصل ما بدأه في البحث عن مسارات أوسع من فضاء العيش.
مسرحية “الموت” استطاعت أن تبعث الحياة في بقعة يعيش سكّانها بعيدا عن منطق العيش الإنساني بما يعنيه من مرافق وخدمات… هل كان خيار الافتتاح مقصودا؟ شخصيّا لا أعلم على وجه اليقين لكن الخيار أصاب الهدف باعتبار أن كلّ بقعة تغيب عنها الثقافة هي بقعة تغيب عنها الحياة.
ناجية السميري
