
لم يخطئ الزعيم بورقيبة حين أمر أن يُكتب على مدخل ضريحه بمدينة مسقط رأسه، المنستير: “الحبيب بورقيبة…محرر المرأة التونسية”. لقد أدرك بحصافته السياسية الكبيرة أن الإرث الذي سيتركه للأجيال سيشكل منارة ستشعّ بلا انقطاع على تونس وتضمن مناعتها من كل عودة للتخلّف والإنحطاط.
ذلك أن استصدار “مجلة الأحوال الشخصية”، في مثل هذا اليوم من سنة 1956، ولم يمض على دخول البلاد صفّ البلدان المستقلة غير أشهر معدودة، يُعتبر خطوة رائعة قطعها أول رئيس للجمهورية التونسية على درب الإصلاح والتحديث لم يقم بها أي قائد عربي قبله ولا بعده، أعطى بها المرأة التونسية حقوقا رفعتها بالقانون الى مستوى الرجل وحوّلتها من راعية الى مواطنة ومن شيء الى كائن.
اقتنص بورقيبة اللحظة التاريخية، وتلك علامة الزعماء الكبار، وسنّ قانونا يمنع التطليق وتزويج الفتاة دون رضاها، ويحدد سن الزواج ويعطي المطلقة الحقوق الضامنة لكرامتها…فأحدث بذلك تغييرا كوبرنيكيا بدّل به ليس حال المرأة التونسية وحسب، بل واقع الرجل كذلك، بل المجتمع برمّته.
لا شك أن قيمة هذا الإنجاز الفارق الذي خلّد مسيرة الزعيم كأحد أبرز مصلحي التاريخ العربي الإسلامي الحديث، يتمثّل في انصهار هذه “المجلّة” ضمن الحركة التحديثيّة التي نشأت منذ منتصف القرن التاسع عشر بهدف توفير السلاح الفكري المقوّي للمجتمع في صراعه من أجل التحرر والحرية. بورقيبة لم يستجلب مجلة الأحوال الشخصية من خارج الموروث الفكري الوطني ولم يستنسخ أحكامها كما فعل زعماء آخرون مثل مصطفى كمال أتاتورك، بل اعتمد هيبته الكفاحية ليفتح باب القراءة والتفسير للنصّ القرئاني بما يضمن تطوير المجتمع ونمائه عبر حقوق متساوية ومشاركة متكافئة للمرأة والرجل.
ب”مجلة الأحوال الشخصية” بورقيبة أعاد للمرأة حقوقها الغائبة وأدخلها دينامية التاريخ، وزاد فكذّب أعداء الإسلام الذين لم يتوقفوا عن تقديم الإسلام كدين الإنغلاق والتزمّت واحتقار المرأة، وأثبت لهم ولغيرهم من المسلمين أن الإسلام دين تقدمي متى رام أهله أن يتدبروه ويزيلوا الأقفال عن القلوب.
صحيح أن مجلة الأحوال الشخصية لم تنه السيطرة الذكورية في مجتمعنا، ولم تغيّر نهائيا النظام البطركي التي ما تزال آثارة متواصلة ضمن مظاهر قتل النساء والعنف ضد المرأة والتمييز والإستغلال في أماكن العمل…لكن الأخطر اليوم يكمن بلا ريب في تراجع المنظومة التربويّة وبروز ثقافة التسطيح والتفاهة، لأن ضحيتها الأولى هي المرأة.
من أجل ذلك، وحتى يبقى استصدار مجلة الأحوال الشخصية حدثا تاريخا غيّر وجه وواقع تونس وميّزها بين الأمم العربية والإسلامية، وجب أن يتواصل مدّ هذا الإنجاز ويتعزز من خلال مشاركة المرأة في كل الأنشطة الإقتصادية الضامنة لاستقلاليتها، و عن طريق تكوين الشبكات الجمعياتية النسوية التي تسهم في تطوير وعيها وحضورها وإسهامها في كل مجالات الحياة دون استثناء. انها عملية لا رجوع فيها ولا نهاية لها.
