
في أقل من عام واحد ، خسرت تونس أربعة من أبطالها الرياضيين، فرّوا من البلاد، استبدلوا رايتها برايات دول أخرى وتجنّسوا بجنسياتها. وما بدا كحادثة معزولة، تحوّل سريعا إلى ظاهرة خطيرة.
البداية كانت بهروب الربّاعة غفران بلخير في اكتوبر 2025 من مطار أسلو لتلتحق بمنتخب رفع الأثقال الألماني. ثم كان، في فيفري الماضي، انفصال السبّاح رامي الرحموني، ذي 17 عاما، عن المنتخب وتجنّسه بالجنسيّة السعودية. وجاء منذ أيام خبر “اختفاء” كل من المصارعة شهد الجلجلي، ولاعب الكرة الحديدية، عماد بوزريبة، الذين كانا حاضرين في إيطاليا للمشاركة في الألعاب المتوسطية.
هروب هؤلاء الرياضيين أثار صدمة وغضبا كبيرين بين المواطنين، لكنه كشف في الوقت نفسه حقيقة خطيرة، هي أن القميص الوطني لم يعد مقدّسا كما كان، أو كما كنّا نظنّ، لأن الإنتماء الرياضي انفضل بذاته ولم يعد مرتبطا بالإنتماء المدني. أي أن الجنسية الرياضية لم تعد تعادل الجنسية الوطنية وأنه يمكن بالتالي للرياضي ان تكون له جنسيتان مدنيتان-أو أكثر- وجنسية رياضية وحيدة. وهذه الحقيقة شرّعتها وأقرّتها محكمة التحكيم الرياضي (TAS) منذ سنة 1993.
وللتاريخ نقول إننا في تونس استفدنا، مثل دول أخرى صغيرة، من قانون المحكمة الرياضية الذي مكننا من تجنيس البرازيليّين سانطوس وكلايتون والفوز بكأس إفريقيا لكرة القدم سنة 2004. لكن الأمر اتخذ منحى خطيرا بعد ان أصبحت الدول الكبرى تتعمد استغلال الهشاشة المادية لعناصر النخب الرياضية في البلدان النامية أو الفقيرة لاجتذابهم وتجنيسهم.
المشكلة ليست اذن في القانون الذي يفتح الباب أمام رياضيين يبحثون بشكل مشروع عن تحسين أوضاعهم المادية والإجتماعية، بل المشكلة في استعماله المفرط وأحيانا غير الأخلاقي من بعض الدول الغنيّة والتي تمتلك الثروات الطائلة التي تعطيها قوّة الإغراء المادي.
المشكلة في هياكل التسيير والتأطير التي فشلت في غرس روح الإنتماء لدى النخبة الرياضية وبث حب الراية الوطنية التي لا تزعزها الإغارات ولا تحركها الأطماع.
المشكلة في قلة تقدير السلط الرياضية للتحولات المجتمعية وعدم قدرتها على ترتيب الأولويات، ما يجعل الرياضات الفردية التي حققت تاريخيّا أهم الإنجازات ورفعت راية البلاد عاليا، يتم تهميشها والتقليل من شأنها.
إذا “اختفى” أو هاجر طبيب أو مهندس أو أي إطار آخر فإن البلاد قادرة على تعويضه. أما إذا كان بطلا رياضيا فإنه يصعب تعويضه وقد نحتاج الى أجيال للظفر ببطل آخر. وتلك هي المشكلة.
